يستوقفنا في تقرير التنمية البشرية لعام 2014 حجم النهضة الكبير الذي حققته بعض بلدان الجنوب في خلال السنوات الخمسة والعشرين الماضية، فقد ارتفع الدخل القومي الاجمالي للصين من 393 مليار دولار عام 1989 الى اكثر من 14548 مليار دولار عام 2012، والهند من 287.4 مليار دولار الى 6245.4 مليار دولار، والبرازيل من 375.1 مليار دولار الى 2840.9 مليار دولار، وسريلانكا من 7.3 مليار دولار الى 180.1 مليار دولار، وجنوب افريقيا من 86 مليار دولار الى 626.7 مليار دولار.
في مقابل هذه النهضة الاقتصادية والانتاجية والمعرفية في العالم المتقدم يقف العالم العربي مرتبكاً. فقيمة دليل التنمية البشرية في العالم العربي عام 2013 بلغت 0.682 وهو رقم متواضع قياساً الى العالم المتقدم 0.890 وحتى بالقياس الى عدد كبير من الدول النامية كالبرازيل 0.744 وكوبا 0.815 والمكسيك 0.756 والصين 0.719 وسريلانكا 0.750. اما اذا قارنا بين الدول العربية ذات الثقل السكاني والدول المتقدمة التي حققت نهضة اقتصادية وعلمية مع انها تأخرت عن العرب في تواصلها مع الحداثة، لرأينا ان قيمة دليل التنمية 0.682 لمصر و0.617 للمغرب و0.500 لليمن و0.473 للسودان و0.642 للعراق قياساً الى اليابان 0.890 وجمهورية كوريا 0.891 واسرائيل 0.888 والارجنتين 0.808.
تبدو هذه الارقام والمقارنات صادمة ازاء ما يملكه العالم العربي من مميزات جغرافية وطاقات وموارد اقتصادية وبشرية – 10.2 في المئة من مساحة العالم 5 في المئة من سكانه 59.3 في المئة من احتياطي النفط العالمي 30.5 في المئة من احتياطي الغاز. على رغم كل هذه المميزات والموارد يزيد الدخل القومي العربي الاجمالي – 2098 مليار دولار – قليلاً عن اليابان 4465 مليار او المانيا 3375 مليار دولار، فيما تقع غالبية الأقطار العربية في المستويات الدنيا من الناتج للفرد – 3370 دولار في السودان، 3996 دولار في اليمن، 10685 دولار في مصر، 6878 دولار في المغرب، 12779 دولار في الجزائر، 4674 دولار في سورية – قياساً الى العالم المتقدم 40397 دولار، والعالم ككل 13599 دولار.
والأخطر ان التخلف العربي في الدخل القومي او الدخل الفردي انما يأتي في ظل هامش واسع من اللامساواة وتردي حال المرأة العربية، فضلاً عن البطالة وضآلة حجم القوى العاملة. الأمر الذي اشار اليه تقرير التنمية الانسانية في القرن الحادي والعشرين حيث رأى ان اللامساواة الطبقية الحادة ما زالت سمات مميزة للمجتمعات العربية، وان الطبقة الوسطى تتلاشى واعداد الفقراء آخذة في الارتفاع، خصوصاً في الارياف، حتى بات هناك 220 مليون فقير في الاقطار المتوسطة والمنخفضة الدخل، اضافة الى 14.4 في المئة عاطلين من العمل. وتتركز البطالة في شكل خاص بين الشباب الذين يمثلون 60 في المئة من العاطلين عن العمل في العالم العربي، من بينهم 40 في المئة من متخرجي الثانويات والجامعات.
وبالنظر في دليل التنمية معدلاً بعامل عدم المساواة يذكر تقرير التنمية البشرية 2014 ان قيمة هذا الدليل في العالم العربي هي 0.512 قياساً الى العالم المتقدم 0.780 وشرق آسيا 0.564 واوروبا وآسيا الوسطى 0.639 واميركا اللاتينية 0.559 الامر الذي يدل على التمييز وفداحة الفوارق الطبقية في بنية المجتمعات العربية.
في السياق نفسه أشار تقرير التنمية البشرية 2014 الى ان 36.8 في المئة من السكان في الاردن و39.3 في تونس و61.1 في الصومال و39.4 في العراق و40.3 في مصر يعانون شدة الحرمان.
ويبقى واقع المرأة العربية بما تبينه ارقام التقريرين الاكثر تحدياً لمستقبل التنمية في العالم العربي، فوفق تقرير التنمية البشرية يبلغ معدل مشاركة النساء في القوى العاملة العربية 24.7 في المئة قياساً الى 57.1 في العالم المتقدم و55.7 في الدول النامية و50.6 في العالم ككل. ويشير التقرير ذاته الى ان دخل المرأة في العالم العربي هو الاضأل 6991 دولار قياساً الى الرجل 23169 دولار، بينما يذكر تقرير التنمية الانسانية العربية مركز دراسات الوحدة العربية 2014 ان النساء يعانين من مستويات اعلى من الفقر البشري، ولا تزال مساهمة النساء دون ال33 في المئة. ويبقى دليل الفوارق بين الجنسين مرتفعاً وفق تقرير التنمية البشرية 0.546 قياساً الى 0.197 في العالم المتقدم.
والتخلف العلمي هو احد الوجوه الناتئة للاخفاق التنموي العربي حيث اشار تقرير التنمية البشرية 2014 الى ان 23 في المئة من العرب اميون وان نسبة الامية في المغرب واليمن والسودان تتخطى الـ30 في المئة وفي مصر اعرق البلدان العربية نهضوياً تتجاوز ال26 في المئة، بينما هي 0.2 في كوبا ودون الـ9 في المئة في سريلانكا.
الى ذلك يلاحظ تقرير التنمية الانسانية انتشار سكن العشوائيات، ونمواً سكانياً هو الاعلى عالمياً 2.1 في المئة، في حين يتفاقم الانفاق العسكري حيث يفوق انفاق العرب على التسلح انفاقهم على الصحة والتعليم. وينبه التقرير الى الفساد المستشري في العالم العربي، فقد حلت خمسة بلدان ضمن الربع الاسوأ في مؤشر الفساد بينما تتوزع نصف الدول العربية في منتصف هذا المؤشر.
ان العالم العربي سيضم اكثر من 481 مليون نسمة عام 2030 وفق تقرير التنمية البشرية فكيف سيلبي حاجات هؤلاء ويجيب على تطلعاتهم وهو على هذا القدر من الاخفاق في مقابل عالم يخطو خطوات جبارة في كل الميادين، الامر الذي سيحيل العرب الى هامش العالم فيما اذا استمروا على المنوال نفسه ولم يبادروا الى تحولات ثورية تضعهم من جديد في قلب التاريخ.
* كاتب لبناني
|