تبدو الصورة من بعيد شبيهةً بتلك "البطاقات البريديّة" التي تُحسَدُ عليها ديموقراطيّات العالم، قريبةً من الفردوس الوهميّ الذي جعل كانديد يهتف "كلّ شيء على ما يُرام في أفضل عالَمٍ ممكن"! هكذا ينظر الكثيرون إلى نتائج الانتخابات الرئاسيّة التونسيّة التي أسفرت يوم الأحد 21 كانون الأول 2014 عن فوز الباجي قائد السبسي (المترشّح المعارض) بنسبة 55.68 في المئة على المنصف المرزوقي (الرئيس الموقّت المنتهية ولايته)، في سياقِ منافسةٍ انتخابيّة لم يَشُبْها من الشوائب حسب أغلب المراقبين إلاّ القليل الذي لا تخلو منه أكثر الديموقراطيّات عراقة!
تمّ تسليمُ السلطة وتسلُّمُها في 31 من الشهر نفسه بطريقةٍ سلْميّة! ليس من المُعتاد عربيًّا أن تُغادَرَ العروش إلاّ على النعوش. وليس من المألوف أن يخرج الحاكم من الحُكْمِ أو القصر إلاّ إلى السجن أو القبر. وإذا كان التونسيّون لم يعرفوا إلاّ رئيسًا بما يُشبِه البيعة (بورقيبة)، ورئيسًا بالانقلاب (بن علي)، فرئيسًا بالوكالة (محمد الغنّوشي)، ورئيسًا بالتفويض (فؤاد المبزّع)، ثمّ رئيسًا بالتعيين (منصف المرزوقي)، فإنّ في وسعهم الإقرار اليوم بأنّهم أمام أوّل رئيسٍ لهم من طريق الانتخاب (السبسي).
تلك هي الصورة كما تبدو من بعيد. لكنّ الواقع مختلفٌ عن الصورة. إنّه واقعٌ شديد التعقيد لا يخلو من نجاحات بيّنة كما لا يخلو من تعثّرٍ وإخفاقات. الأمر الذي يحتّم متابعة الحالة التونسيّة عن كثب والاقتراب أكثر ما يمكن من حقيقة الصورة كي يتيسّر فهمُ ما يحدث، في بلادٍ هي منذ نحو الأربع سنوات أشبه ما تكون بالورشة المفتوحة التي يُصنع فيها المُستَقبَل (أي التاريخ) من الداخل والخارج، على مرأى ومسمع.
السؤال المُغيّب
السؤال الآن ومهما كانت أهميّة ما تحقّق خلال السنوات الأربع الماضية: هل ثار الشعبُ التونسيّ من أجل هذا فحسب؟ أي من أجل أن يُكتَبَ دستور جديد ويُنتَخَبَ برلمان جديد وتُعيّنَ حكومة جديدة ويتمّ التداول السلميّ على السلطة بين رئيسٍ سابقٍ ورئيس لاحق؟ بعبارةٍ أخرى: هل قامت الثورة من أجل تحقيق هذا المُنجَز الذي قد يعتبره الكثيرون "الحدّ الأدنى من الشكليّات الديموقراطيّة"؟ وهل قُدِّر علينا أن نظلّ، من دون شعوب العالم، شعبَ الحدّ الأدنى من الأحلام (Les smigards du rêve)؟
لا وجود طبعًا لمضمون ديموقراطيّ بلا شكل. ولا معنى لشكلٍ ديموقراطيّ بلا مضمون ينفخ فيه الروح. ولا كيان للديموقراطيّة أصلاً إن لم تتجسّد في منظومة من التشريعات المحكَمة والمؤسّسات المستقلّة والسلطات المتوازنة والانتخابات الشفّافة التي تكون تعبيرًا حقيقيًّا عن ذهنيّات ورؤًى راسخة في ثقافة المُواطَنَة والتعدّد والحوار والعدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلخ. لعلّ من الواجب الإقرار بأنّ مقاربةَ الديموقراطيّة، حتى من الناحية الشكليّة، ليست بالأمر الهيّن كي نهوّن من شأنها أو كي لا نفرح بالوصول إليها.
إلاّ أنّ السؤال يستمدّ وجاهته من النظر إلى الفجوة الفاصلة بين أهداف "الحدَث الثوريّ" ومآل مرحلته الانتقاليّة ودلالة وصول المرزوقي والسبسي تحديدًا إلى "نهائيّات" الانتخابات الرئاسيّة. فلا أحد منهما يجسِّد "بروفيل" مرشَّح "الحالة الثوريّة التونسيّة" النموذجيّ. وكِلاهُما كناية عن التخلّي عن الأحلام الكبرى والدفاع البراغماتيّ عن الحدّ الأدنى من الأهداف المنشودة. مع رغبةٍ في عدم الاعتراف بذلك، لأنّه، من ناحيةٍ ما، اعترافٌ بهزيمة الثورة أو على الأقلّ، بانتكاستها.
لذلك يعيش جانبٌ من التونسيّين هذه الأيّام في حالةٍ شبيهة بحالة المرضى في أعقاب عمليّة جراحيّة وهم تحت تأثير البنج لا يعرفون هل يفرحون أم لا، وهل نجحت العمليّة أم لا، وهل هم في اليقظة أم في عالَمٍ أقرب إلى المُتَخيّل منه إلى الواقع. لقد حلموا بثورة وها هي ثورتهم تكاد تُختَزَل في إصلاحٍ للنظام! أرادوا الاقتراب من النظام البرلمانيّ وها هم يعيدون إنتاج نظام شبه رئاسيّ! دعوا إلى قطيعةٍ مع رموز المرحلة السابقة وخياراتها وها هم يعودون بعدد من تلك الرموز والخيارات من طريق صندوق الاقتراع!
فما الذي حدث تحديدًا كي تبدو هذه الثورة التي تمّت على الطريقة التونسيّة، ثورةً ناقصة، كأنّ شيئًا منها سُرِق أو تبخّر؟ وما الذي حدث تحديدًا كي يُصبح (أو يعود) هذا الشعبُ الذي وحّدته ثورتُه، شعبًا منقسمًا حتى في تقييمه لمُنجَزِه؟ وما الذي حدث كي تتمخّض انتخابات هذا الشعب الثائر الحالم، عن أغلبيّة براغماتيّة، برلمانيًّا ثمّ رئاسيًّا، تدلّ على اكتفاء قسمٍ كبير منه بتحقيق الحدّ الأدنى من أهداف ثورته؟
الشطرنجيّ والمُقامر
أوّل المفاتيح لفهم الحالة التونسيّة وربّما الحالة العربيّة الراهنة يتمثّل في الاعتراف بأنّ الشعب أصبح مغامرًا أكثر من نُخَبِهِ السياسيّة. الشعب هو الذي أوقد الثورة مستأنسًا بما زرعه فيه مبدعوه ومثقّفوه ومناضلوه من قِيَم الحريّة والتحرّر على امتداد الأجيال. هذا صحيح. إلاّ أنّ النخبة السياسيّة بالمعنى التقنيّ للعبارة ظلّت تتهيّب الوثبة وتُطيل حساب العواقب والتبعات. ولو سار الشعب على إيقاع نُخبته لما حصل شيء ممّا حصل.
الثورة مقامرةٌ من ناحيةٍ ما، ولحظةٌ شعريّةٌ مجنونةٌ بقَدْرٍ مَا. إنّها فعلٌ يدع المغامرة تحفر مجراها ولا يُبالي بالأخطار في طريقه إلى الأقاصي تمامًا كالمبدعين. أمّا النخبة السياسيّة فهي تعمل لكلّ شيء حسابه أو هكذا تدّعي وتبحث عن السكك الجاهزة لخدمة ما تراه صالحًا وتفضّل الحلول المنقوصة على ما تعتبره مغامرات غير محسوبة العواقب.
هكذا اصطدم طموح الشعب بحسابات النخبة منذ فرار بن علي من البلاد. بدا الأمر كأنّ الشغل الشاغل لأغلب الساسة الذين وضعتهم الثورة في مقدّمة المشهد السياسيّ الجديد: إنهاء الثورة في أسرع وقت ممكن وبأقلّ التكاليف الممكنة، ولو على حساب أحلام الشعب وأهدافه.
ما كان لهذا الأمر أن يحصل لو لم يكن الشعب مستعدًّا هو أيضًا لتبنّي هذه الذهنيّة الحسابيّة. لعلّ للأمر صلة بما ذكرتُه في نصّ سابق عن شغف التونسيّين بلعبتَي الشكبّة والخربقة، وهما لعبتان تجمعان بين المقامرة والحساب. ومن ثمّ ذهبتُ إلى أنّ للشطرنج السياسيّ على الطريقة التونسيّة خصوصيّات، من بينها اللعب على طاولة متحرّكة والاحتفاظ بالحقّ في تغيير قواعد اللعبة إذا اكتشف اللاعبُ غشَّ المنافس.
المشكلة هنا أنّ التونسيّين يتحمّلون جزءًا من المسؤوليّة في ما حدث، لأنّهم خافوا الذهاب بالمراهنة على المجهول إلى أقصاها، فلم يختاروا وجوهًا جديدة، ولم يمنحوا الفرصة لفريقٍ ثالثٍ، كان في وسع اليسار مثلاً والجبهة الشعبيّة بقيادة حمّه الهمّامي أن تمثّله أفضل تمثيل. بل فضّل تغيير قواعد اللعبة من طريق إرغام الرقعة على استعادة قِطَعٍ كانت قد أُخرجت منها.
لقد تغلّب لدى التونسيّين عقلُ الشطرنجيّ على عقل المغامر أو المقامر. هكذا عادوا بالمنصف المرزوقي بعدما أبعدته الانتخابات البرلمانيّة عن الرقعة. وهكذا عادوا بالباجي قائد السبسي بعدما خُيّل إلى الكثيرين، وربّما إليه هو أيضًا، أنّه أنجز ما عليه ولم يعد أمامه غير كتابة مذكّراته السياسيّة.
العربة والخيول
ثاني المفاتيح لفهم الحالة التونسيّة وربّما الحالة العربيّة، يتمثّل في الإقرار بأنّ الشعب لم يعد مزامنًا لنخبته السياسيّة! الشعب يعيش في مرحلة زمنيّة بينما سياسيّوه ينتمون إلى مرحلةٍ سابقة! تلك دلالةُ أن تُصبح "ثورة الشباب" أسيرةَ "حُكْمِ الشيوخ"! ليس المقصود هنا سِنّ السبسي (88 عامًا) أو سنّ المرزوقي (70 عامًا)، فلا الشيخوخة عيبٌ في ذاتها ولا الشبابُ ميزةٌ في ذاته. المهمُّ شبابُ الأفكار والمشاريع والأهمُّ الجدارة والقدرة.
المقصود هنا هو ما يمثّله الرجلان: الأوّل ما انفكّ يؤكّد قولاً وفعلاً أنّه "ابنُ بورقيبة البارّ" الذي جاء يستأنف ما انقطع ويصحّح ما انحرف من "المشروع البورقيبيّ". الثاني ما انفكّ يُثبت من خلال قوله وفعله و"تحالفاته" أنّه "ابنُ بورقيبة الضالّ" الذي جاء يتخلّص من "التركة البورقيبيّة". هكذا يكون الرجلان قد باتا من "جيل الآباء" لغةً ومفاهيم وطموحات، ولا أحد منهما يبدو قادرًا على فهم أو تمثيل "جيل الأبناء".
يعزو جانبٌ من فريق المرزوقي انتصار منافسهم إلى "ماكينة التجمّع" والمال الفاسد والإعلام المنحاز إلخ. ويعزو جانبٌ من فريق السبسي وصول منافسهم إلى الدور الثاني للانتخابات الرئاسيّة إلى "ماكينة الأخوان" التي لا تخلو هي أيضًا من روافد ماليّة وإعلاميّة في الداخل والخارج. إلاّ أنّ هذا التشخيص لا يخلو من تعميم مجحف.
انتصر السبسي بفضل طيفٍ من الأصوات الرافضة لمشروع أخونة تونس، وتحديدًا بفضل أصوات مليون امرأة، بعدما بدا هو وحزبُه البديل الوحيد القادر على الحكم في مواجهة الترويكا بقيادة حزب "حركة النهضة" ورئيسها راشد الغنّوشي. ارتكبت الحركة خطأين: الأوّل حين لم تحسب حساب سياستها التغوّليّة وخطابها الأصوليّ الهوويّ الذي تخلّت عنه في ما بعد، لكن بعدما جعلها تبدو خطرًا على جانبٍ كبير من المجتمع أفزعته الاغتيالات والعمليّات الإرهابيّة. الثاني حين لم تتوقّع أن تخسر الانتخابات البرلمانيّة لذلك لم ترشّح أحدًا من رموزها للانتخابات الرئاسيّة.
أمّا المرزوقي فقد تبخّر حزبُه في الانتخابات البرلمانيّة ممّا أكّد أنّ الرجل لا يملك قاعدةً شعبيّة ولم يعد يمثّل إلاّ نفسه. لكنّ المعادلة السياسيّة صنعت منه الممثّل الاضطراريّ لطرفين: أنصار "النهضة" وحلفاؤها الباحثون عن الثأر من هزيمة الانتخابات البرلمانيّة من جهة. وجانب من التونسيّين الباحثين عن خيار ثالث، بعيدًا عن حركة "نداء تونس" وبعيدًا عن "النهضة"، الذين خُيّل إليهم أنّهم وجدوا ضالّتهم في المرزوقي.
عرف السبسي كيف يلعب على النوستالجيا في مواجهة المجهول نافضًا الغبار عن صورة بورقيبة الحكيم الرصين الذي يتعامل مع التونسيّين تعامُلَ الأب مع أبنائه وبناته، ويعدهم بالمواطنة الكريمة في كنف دولة ديموقراطيّة حديثة تضمن لهم أمنهم وحقوقهم وحريّاتهم. من هذه الناحية يجوز القول إنّ المصوّتين للسبسي قد صوّتوا لبورقيبة.
أمّا المرزوقي، وخصوصاً منذ خطابه في قطر في آذار 2013، فقد تنكّر لصورة اليساريّ العلمانيّ المتصالح مع هويّته، وهي الصورة التي سوّقها لنفسه خارج تونس، ليكشف عن هوَسٍ هستيريّ بالسلطة، فإذا هو لا يتورّع عن الاقتراب من أدوات العنف السياسيّ الميليشيويّة وخطاب الترهيب والتكفير وتقسيم الشعب إسلاميّين وعلمانيّين وثوريّين وطواغيت، متبنّيا المعجم المتطرّف الذي تخلّى عنه حتى عقلاء "النهضة". من هذه الناحية، قد يجوز القول إنّه كان بسلوكه وخطابه أكثر تلميعًا لنظام بن علي من أبواق النظام السابق، وإنّه هو الذي صوّت للسبسي.
كِلاهُما إذاً "ابنُ الماضي" الذي اندلعت الثورة التونسيّة في جملة أسباب اندلاعها، كي تضع حدًّا لخياراته الكبرى السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، التي أدّت إلى تحالف الفساد والاستبداد وإلى قدر من التفقير والتجهيل والتهميش والتفاوت التنموي لم يعد من الممكن تحمّله. ولا أحد من الرجلين ينبئ عن رؤية مختلفة لهذه الخيارات الكبرى.
بدا الشعبُ التونسيّ أمام هذا الخيار أسيرَ عادة "الاكتفاء بأنصاف الحلول" وعادة "المفاضلة بين السيّئ والأسوأ". لقد تغيّر لكنّ أقلّ ممّا تتطلّبه المرحلة. كأنّ الطبع غلب التطبّع! كأنّه عجز عن أن يكبر بالقدر الكافي ورفض أن يتحمّل المسؤوليّة بالقدر المطلوب! كأنّ قدَرَ التونسيّين، شأنهم في ذلك شأن أشقّائهم في البلدان العربيّة، أن يظلّوا دائمًا مَرْضَى بساستهم وبخوفهم من المغامرة: يقتلون الأب لكن نصف قتلة. يتغيّرون لكن بما لا يكفي. يثورون لكن أقلّ ممّا ينبغي. يتقدّمون لكن ببطءٍ، مثل عربةٍ يتطلّع ركّابها إلى المستقبل لكنّ خيولها ترمح وتجمح، كلٌّ في اتّجاه، خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الهامش، وأكثر الخطى إلى الخلف!
نظريّة الآباء الثلاثة
لن نفهم ذلك إلاّ بالعودة إلى "نظريّة الآباء الثلاثة" التي حكمت تونس كما حكمت غيرها من البلدان العربيّة. المقصود بالأب هنا: الزعيم التاريخيّ الذي تفرزه الحوادث وقد يحمل اسم زعيم الأمّة أو منقذ الشعب أو قائد الثورة أو المجاهد الأكبر أو الأخ القائد أو مبعوث العناية أو البطل الضرورة إلى آخر الأسماء "غير الحُسنى"!
هذا الأب يلوّح لأبنائه دائمًا بإحدى جزرتَين: جزرة التحرير والتنوير والديموقراطيّة والوطنيّة، أو جزرة الأمجاد التليدة والخلافة الرشيدة. ثمّ سرعان ما يكشّر عن أنيابه باسم الدنيا أو باسم الدين بدعوى أنّه يعرف مصلحة البلاد والعباد أكثر منهم، فيضرب مواطنيه بعصا البوليس أو العسكر أو الفتاوى الموجَّهة أو القوانين الجائرة المفصّلة على مقاسه ومقاس عشيرته أو طائفته أو جماعته أو عصابته أو عائلته.
هؤلاء الآباء ثلاثة. وثلاثتهم تأتي بهم الحوادث وقد يستدعيهم الشعبُ نفسُهُ بحماسةٍ "مؤَطّرة" أحيانًا و"تلقائيّة" في الكثير من الأحيان. ثلاثتُهم يُظهرون في البداية وجهَ "العادل"، ثمّ يرتدون قناع "المستبدّ العادل"، ثمّ يسقط القناع فلا يبقى لهم إلاّ وجه "المستبدّ".
الأوّل أبٌ طبيعيٌّ أو يجوز اعتباره كذلك، يجيء به النضال ضدّ الاستعمار فيرى فيه مواطنوه أباهم الشرعيّ ويعتبرهم هو أبناءه الشرعيّين ولعلّه يحبّهم حقًّا ما داموا مطيعين، لكنّه لا يتحمّل أن يشبّوا عن الطوق، فإذا فعلوا ضربهم بدعوى الخوف عليهم!
الثاني أبٌ يجيء به الانقلاب على "سابقه" فيسيطر على البيت وساكنيه، وقد يحظى في البداية بشيءٍ من القَبول على أمل أن يكون "المخلّص"، إلاّ أنّه سرعان ما يتعامل مع مواطنيه بوصفهم أبناء ليسوا من صُلبه، وسرعان ما يشرع في ضربهم خوفًا منهم!
الثالث أبٌ يجيء به "الفراغ" الذي تُحدثُه الثورات وما شابهها، فيتعامل مع الحكم بذهنيّة الغزو والغنيمة، ويقسّم المواطنين "أبناء" يحقّ لهم كلّ شيء و"غنائم" أو "لقطاء" يَكرههم ويضربهم بدعوى أنّهم "أعداء الثورة" أو "كفرة" مُباحون لا حرمة لهم ولا كيان!
لم تعرف تونس، شأنها في ذلك شأن جلّ البلدان العربيّة حتى الآن، غير قيادات من هذا النوع. لذلك لم تتدرّب بما يكفي على الحريّة. وظلّت تشكو نقصًا في ممارسة الحريّة حتى حين انتفضت وحين ثارت. إذ أنّها ظلّت تنتفض وتثور إلى حين، ثمّ سرعان ما تضع زمام الأمور في أيدٍ لا تختلف كثيرًا من ناحية الذهنيّة والجوهر عن الأب المتسلّط أو الزائف.
تلك ثمرةُ "الأبويّة المضلِّلَة" التي غلبت منذ عقود على معظم الدول العربيّة التي يُطلَق عليها اسم دول الاستقلال: شعوبٌ قاصرة، وآباء يتعمّدون قتل ثقافة التداول (La culture de la transmission) ولا يرون تداولاً إلاّ من طريق "المناولة" أو "التوريث"، كأنّهم يحكمون أبدًا ويعيشون أبدًا! وهي ذهنيّة حاول بورقيبة أن يحاربها في بداية مشروعه الحداثيّ لكنّه سرعان ما استأنفها من تحت قناع الحداثة، حين عوّد مواطنيه على أن يلعب الحاكمُ أو الدولةُ دور "الأب الذي يعرف مصلحة أبنائه أكثر منهم"!
كرونوس، أو التاريخ يفترس الزمن
يستدعي هذا السياق بالضرورة أسطورة الإله كرونوس «Chronos» الذي انقلب على أبيه ثمّ خشي أن ينقلب عليه ورثتُه هو أيضًا فأخذ يبتلع أبناءه الواحد تلو الآخر. نَسَبَ كرونوس إلى أبنائه "نيات شرّيرة" ثمّ عاقبهم عليها! تلك حقيقة موقف أغلب الحكّام الجُدُد الذين جاءت بهم الثورة إلى الحكم. أرادوا "ابتلاع الثورة" قبل أن تبتلعهم! من ثمّ تعمُّدُهم تقسيم الشعب معسكرَين، "معسكر الثورة"، أي "نحن وحلفاؤنا"، و"معسكر الثورة المضادّة"، أي "كلّ الآخرين"، حتى لو كانوا أغلبيّة الشعب!
اتّضحت هذه الصورة مع هيمنة الترويكا على مفاصل المرحلة الانتقاليّة. فإذا نحن مع الأب الثالث (المفترس) وقد كشف عن نفسه من تحت أقنعة ثلاثة: انتصب المرزوقي رئيسًا موقّتًا للجمهوريّة وأبًا مفترسًا باسم الثأر للأب (من تحت قناع الثأر لليوسفيّة) ساعيًا إلى ابتلاع كلّ من حوله وصولاً إلى رغبته أخيرًا في ابتلاع منخرطي "النهضة" الذين صوّتوا له! وانتصب الغنّوشي رئيسًا لحزب "حركة النهضة" ورئيسًا فعليًّا للبلاد طوال سنوات الترويكا وأبًا مفترسًا باسم الثأر من الأب (من تحت قناع الثأر من بورقيبة) ساعيًا إلى ابتلاع تونس كلّها في الطريق إلى الخلافة السادسة! وانتصب مصطفى بن جعفر رئيسًا للمجلس التأسيسيّ وأبًا مفترسًا باسم البحث عن أب (من تحت قناع اللقاطة بين المشروع الحداثويّ والمشروع الماضويّ) ساعيًا إلى التموقع على هامش هذا الطرف أو ذاك.
فجأةً وجد الشعبُ نفسَه أمام فريقٍ يزجّ به في مسائل الهويّة والعروبة والإسلام ويحاول اختطاف ثورته الاجتماعيّة المواطنيّة لتحويل وجهتها من الجمهوريّة الثانية إلى الخلافة السادسة! فجأةً وجد الشعبُ نفسَه أمام "فرقاء/حلفاء" يتشابهون في سياسة الكيل بمكيالين ويشتركون في ازدواجيّة الخطاب والاستخفاف بالأخلاق وتناقض الأقوال والأعمال وتغليب المصلحة الشخصيّة والحزبيّة على المصلحة العامّة. هكذا ضاعت خطوط التباين بين الثورة والثورة المضادّة وأتيح لأعداء الثورة حقًّا أن يعودوا إلى المشهد من خلال قيادات كثيرة في جلّ الأحزاب.
تطابَق عندئذٍ الواقعُ والأسطورة. ابتلع كرونوس خمسةً من أبنائه إلاّ أنّ زوجته أخفت عنه الابن السادس، زيوس، الذي اشتدّ عوده خفيةً عن الأعين وثار على أبيه وانتزع منه عرش الكون بعد معركة كادت تدمّر كلّ شيء. الابن السادس هنا هو الشعب التونسيّ الذي أفسد على الجميع لعبتهم، مفضّلاً التخلّي عن أحلامه والتصويت ببراغماتيّة. مع فرق كبير: أنّ الشعب (زيوس الحكاية) لم ينتزع مقود السلطة لنفسه بل تمرّد على الآباء ليختار جَدًّا، هو السبسي، ويمنحه السلطة!
لقد اضطرّ الشعب إلى هذا الخيار الاضطراريّ نتيجة أمرين: الأوّل الخوف من مشروع الترويكا بعدما بيدقت "النهضة" كلّ من شاركها الحكم، والثاني العجز عن التمرّد على ظلّ الأب للخروج من تحت مظلّته. لكأنّ شعبنا يريد أبوّة من نوع جديد، تتوازن فيها القوّة (المنتجة للإحساس بالأمن) بالحنان (المنتج للإحساس بالأمان)، وهما ميزتان قلَّ أن تلتقيا، لا تتوفّران إلاّ في "الأجداد".
تطابقَ الواقع والأسطورة لكن بطريقة معكوسة. في الأسطورة لا تكون الغلبة إلاّ للزمن فهو مفترس كلّ شيء. أمّا في واقع الحال فها هو التاريخ يُطبق بفكّيه على اللحظة التونسيّة الجديدة المتطلّعة إلى الأمام، كأنّه لا يريد لها الفكاك من ماضيها. كأنّ قدر تونس أن لا تخرج من اللحظة البورقيبيّة. كأنّ الخيار الوحيد إمّا استئناف تلك اللحظة وإمّا النكوص إلى ما قَبْلَها! كأنْ لا مجال لأيِّ قدْرٍ من ذلك "الدفق الإبداعيّ" الذي يُفتَرض أن تتمخّض عنه "الفرص الثوريّة"! وكأنْ لا مناص من دمارنا وخيباتنا كي نكتشف إحدى البديهيّات الأولى: أنّ على زمننا أن يفترس تاريخنا إذا أردنا أن نخترع حاضرنا وأن نُبدِع مستقبلنا!
الجسد والسكّين
قد يحتاج الإلمام بالحالة التونسيّة من جانبٍ آخر، إلى استحضار حكايةٍ أخرى لا تقلّ طرافةً ودلالةً عن أسطورة كرونوس، هي حكاية الجسد والسكّين، حين خرجت امرأتان إلى الغابة ومعهما رضيعان فاختطف الذئبُ أحدهما، فادّعت كلٌّ منهما أنّ الرضيع الناجي لها واختصمتا إلى النبيّ سليمان. قال اعطوني سكّينًا أشقّ به الرضيع نصفين ولتحملْ كلٌّ منكما نصفًا. فقالت الكبرى رضيتُ وقالت الصغرى لا تفعل وحظّي منه لها. قال سليمان: هو ابنكِ وقضى به لها.
قرأتُ هذه الحكاية شابًّا. ويبدو أنّ من الحكايات ما يكبر معنا ويعلق به ما يعلق بنا ونحن نتدحرج مع الحوادث مثل كرة الثلج. أستحضر هنا أوكتافيو باث حين دعا إلى أن نمنح الحكايات (أو الكلمات) عيونًا كي ترى. وأقترح أن نمنح العيونَ حكاياتٍ كي تبصر. فأنا لا أجد اليوم أفضل من هذه "الاستعارة" لوصف الحالة التونسيّة منذ نحو الأربع سنوات، بدايةً من انتخابات 2011، وصولاً إلى انتخابات 2014.
لقد انحدر ساسةُ المرحلة، باستثناء قلّةٍ قليلة، بمستوى الخطاب السياسيّ إلى ما تحت الصفر، وبلغت حمّى السلطة بالبعض حدَّ تهديد حقيقة الوطن الواحد، وفكرة الشعب الواحد، وحدَّ إعادة إحياء نعرات عشائريّة وجهويّة وعنصريّة كادت تعود بالتونسيّين إلى ما قبل خمسينات القرن العشرين، وأصبحت البلاد شبيهةً بجسد الرضيع في الحكاية وقد أحاطت به جماعتان: إحداهما تدّعيه والأخرى تطالب به، وكلٌّ يجذب الجسد إليه حدَّ تمزيقه، وقد اختلطت الأمور على الجميع في غياب حكمة سليمان، حتّى تعذّر على الكثيرين أن يعرفوا مَنْ هي "الأمّ الكاذبة" التي تدّعيه ومن هي "الأمّ الصادقة" التي تستحقّه.
لم تعدم تونس بعض العقلاء طبعًا. لكنّ صوتهم بالكاد سُمِع في زحمة اقتتالٍ شرسٍ لم يتورّع فيه البعض عن هتْك الأعراض وتضليل العقول وتأليب القلوب وإثارة الضغائن وتجييش أسوأ ما في الغرائز. لا مبالغة في تشبيه هذه المعركة الانتخابيّة بالحرب القذرة. ولا مبالغة أيضًا في الإقرار بمسؤوليّة جانبٍ كبير من السياسيّين عن كلّ ما غلب على هذه الحملة الانتخابيّة من عنف وضحالة. ولولا العقلاء المحترمون منهم لقلتُ إنّهم كانوا أقرب إلى الطغمة السياسيّة منهم إلى النخبة السياسيّة.
في هذا السياق نفهم أيضًا لماذا فضّل الشعب السبسي على المرزوقي. ثمّة بلا شكّ شعبٌ يطلب الخروج من مربّع الفساد والاستبداد ويطالب بالشغل والحريّة والكرامة الوطنيّة ويريد وضع حدٍّ للفقر والجهل والتهميش والحرمان ويدعو إلى محاسبة المستبدّين والفاسدين. إلاّ أنّ لهذا الشعب مزاجًا عامًّا لا شكّ فيه هو أيضًا، يريد أن يتمّ كلّ ذلك بأقلّ ما يمكن من العنف والدم، وبأكثر ما يمكن من الأمن والسلاسة.
هذا المزاج العامّ هو ما فهمه السبسي أكثر من منافسه. لذلك قدّم خطابًا توافقيًّا معتدلاً يدعو إلى المشاركة والبحث عن محاسبةٍ غير ثأريّة وغير استئصاليّة تتيح المصالحة والتعايش. في حين بدا الخطاب المقابل ثأريًّا تأليبيًّا مقسِّمًا عنيفًا إلى حدّ الهستيريا مثيرًا للأحقاد والمخاوف.
لم يخلُ خطاب فريق السبسي من عنف طبعًا، كما لم يخلُ خطاب فريق المرزوقي من حكمة وتعقُّل. لكنّ الطابع الغالب هو الذي صنع لكليهما صورته النمطيّة أو النموذجيّة التي يصعب محوها وتغيير ملامحها. وسواء كان السبسي صادقًا أم لا، فإنّه قد أحْلَم التونسيّين بما يريدون.
هكذا يكون خوفُ الجسد من السكّين هو الذي جعل الشعب يسحب الأغلبيّة من الترويكا وأطرافها. وهو الذي جعل المرزوقي يبدو خيارًا أسوأ من السبسي. هكذا يكون المرزوقي (بتحالفه مع "النهضة" وسوء أدائه في الرئاسة وخطابه العنيف المُقسّم) هو الذي صوّت لمنافسه وأتاح له النجاح.
ما هي حقيقة المشهد الآن؟
يبدو التونسيّون الآن شعبًا من فريقين: ضحايا المرحلة السابقة وتبعاتها من فقر وتهميش وحرمان وقهرٍ وتفاوت بين الجهات. أولئك الذين لم تتحسّن أوضاعهم ولم يروا في قواعد اللعبة السياسيّة شيئًا جوهريًّا يتغيّر ليبشّرهم بمستقبلٍ يلبّي طموحاتهم أو يهتمّ بمعاناتهم، فإذا هم يزدادون غضبًا واحتقانًا، مندّدين برغبة النخبة الحاكمة الجديدة في إغلاق "الكتاب الثوريّ" والتخلّص من "معجَمِه"، مطالبين باستكمال المسيرة حتى تحقيق أهدافها، متداعين إلى استئناف الثورة والدخول في شوطها الثاني مهما كانت وطأته وكلفته.
دعاة التهدئة وطيّ الصفحة من منطلق أنّ البلاد لم تعد تتحمّل المزيد! لعلّ هؤلاء يعتبرون طَيَّ الصفحة الانتقاليّة إغلاقًا لكتاب الثورة لأنّ لديهم ما يخسرون في صورة استمرار الكتاب مفتوحًا! بل لعلّهم لا يريدون النظر في عيني اللحظة كي لا يتبخّر الحلم (أو الوهم). لا يُريدون أن يُسَمُّوا الأشياء بأسمائها كي لا تصدمهم الحقيقة من تحت الصورة الورديّة. حقيقةٌ تقول لهم إنّ ما حصل قد يكون أفضل الممكن ذاتيًّا وموضوعيًّا في الظروف الراهنة، لكنّه دون المطلوب بكثير.
وجود هذين الفريقين ليس مانعًا طبعًا من أن يفرح التونسيّون بما حقّقوه. ولعلّهم يُحسَدون على ما أنجزوه حتى اليوم بالمقارنة مع غيرهم. يخطئ كثيرًا من يعتقد أن تونس ظلّت (أو عادت) كما كانت. يخطئ أكثر من يقارن ما تحقّق بما لم يتحقّق فيذهب به الظنّ (أو التأويل المغرض) إلى أنّ ما سُمّي بالربيع العربيّ كان "سحابةً بيضاء" أو "خدعة بصريّة" أو "انتفاضةً أُسيء تأويلها"، وأنّ الثورة ميؤوسٌ منها عربيًّا، وكأنّ العرب جنسٌ من طينةٍ خاصّة. فهذا كلّه غير صحيح، على الأقلّ بالنسبة إلى تونس.
التداول على السلطة بواسطة صندوق الاقتراع في انتخابات حقيقيّة بعد عقود من التصحّر الديموقراطيّ كافٍ وحدهُ للإقرار بأهميّة ما أُنجِز. فما بالُك حين نضيف إليه مكاسب أخرى يصعب التراجع عنها بعد اليوم: الشروع في ترسيخٍ حقيقيّ لحريّة التعبير وحريّة الإعلام وحريّة التنظّم وحريّة النشاط الحقوقيّ والنقابيّ. التداعي المطّرد لجدار الخوف الماديّ والمعنويّ. تصاعد الوعي بأهميّة الجدل الفكريّ والشيء الثقافيّ الإبداعيّ في تدبير الشأن العامّ. انتصار المرأة إلى حريّتها وتأثيرها بشكل غير مسبوق في المعادلة السياسيّة. بلورة رأيٍ عامّ منحاز بأغلبيّة واضحة إلى مشروع الدولة المدنيّة المواطِنِيّة ضدّ مشروع الخلافة ومشتقّاتها. ازدهار مجتمع مدنيّ متماسك قادر على الدفاع عن مبادئ التنوير والحداثة وحقوق الإنسان.
لقد سعى النظام العربيّ (والعالميّ) على امتداد الخمسين سنة الماضية إلى شطب عبارة الثورة من القاموس وإلحاقها بمعجم الكلمات النافقة والمفاهيم المنسيّة، ويكفي التونسيّين فخرًا أنّهم أعادوا هذه العبارة إلى فضاء التداول والاستعمال. وإذا كان الكثيرون لا يستخدمون اليوم عبارة "ثورة" إلاّ وضعوها بين قوسين أو طوّقوها بصيغ التنسيب والتعليل، فليس ذلك من باب الشكّ والتشكيك بقدر ما هو تعبيرٌ عن رغبةٍ في قراءة الوقائع والخطوات، بالشكل الذي يتيح لهم فهم النقائص وتحديد الهنات وتلافي العثرات، للخروج من قلق التسمية وتحقيق أكثر ما يمكن من الأهداف.
الحقّ أنّ ما شهدته تونس كان وما انفكّ "فرصةً ثوريّة" حقيقيّة من طرازٍ مختلف وعلى غير مثال. وهي فرصةٌ لم تُهدَر حتى الآن. لكنّها حُوصرت في منتصف المسافة بين "ثورة بالتقسيط" و"ثورةٍ مع تأجيل التنفيذ"، وهي منطقة مفتوحة على الشيء ونقيضه. ليس على التونسيّين إذا أرادوا الذهاب بهذه الفرصة إلى أكبر قدرٍ من ممكناتها، إلاّ أن يمارسوا قراءة التاريخ وهم يكتبونه وأن يصّوبوا أخطاءهم أوّلاً بأوّل. وهو فعلٌ لا يتيحه التاريخ عادةً إلاّ للأجيال اللاحقة ويندر أن يجود به على معاصريه.
|