الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٠, ٢٠١٥
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
كيف يمكن المأسسة أن ترسم مخارج للأزمة السياسية؟ - فاديا كيوان
منذ بضع سنوات كانت لنا فرصة للنقاش مع أحد المرشحين الكبار لرئاسة الجمهورية حول ظروف الاستحقاق الرئاسي وشروطه ومجمل العوامل المؤثرة فيه. وقد نصحنا حينها محدّثنا بأن يقدّم بواسطة مجموعته النيابية اقتراح قانون بهدف وضع آليات أكثر دقّة لإجراء الانتخابات الرئاسية.
 
كان الهدف تخفيف عامل المفاجأة فيها، وكذلك من هامش المناورات التي تلجأ إليها النخب السياسية بشكل طبيعي - ومشروع في مناسبة كل استحقاق انتخابي. فهذه النخب تخاف عادة من المرشحين الأقوياء أي هؤلاء الذين يتمتعون بحيثية شخصية خاصة. وللمناسبة أعتقد أنهم يخافون أيضا من الشخصيات النزيهة والعصامية والحازمة.

فإذا ما وقع الاختيار على شخصية ذات حيثية شخصية خاصة تكون النخب قد أتت "بالدب إلى الكرم" أي أنها تكون قد سمّت شخصية لديها القدرة المسبقة على التفلت من منتخبيها والسير بحسب ما ترتئيه هي. وبالطبع لا تحبّذ النخب السياسية عادة الشخصيات القادرة على التحرر بل أنها بدون شك تميل إلى من يبقى مدينا لها بموقعه وباستمرار نعمة السلطة له فتتحكم بمساره وترتهن قرارته أو تفاوضه عليها باستمرار.

المشكلة التي واجهها المجتمع السياسي الذي كان وصل في 7 أيار 2008 الى حافة الفتنة الكبرى، أنه إنقسم على نفسه بعد الاجماع الذي توصل اليه في مناخ نعمة "الدوحة" في 25 أيار من ذلك العام، وبعد فترة قصيرة من انتخاب الرئيس ميشال سليمان بالتوافق وحتى بشبه اجماع، راح يعمل على تجاذب حادّ لاستمالة الرئيس سليمان من كل جهة على حدة. وعاد المجتمع السياسي بقطبيه 8 و 14 آذار يتعاقب على الهجوم السياسي على الرئيس سليمان في كل مرة حاول الرئيس فتح ثغرة في جدار الثنائية المسيطرة على المشهد السياسي اللبناني من خلال دعم انطلاق خط ثالث أو اعتماد غير المحاصصة الثنائية في القرارات. فقد اجتمع الثنائي على إدانته والتذكير بما يحق له وما لا يحق وشلّت المؤسسات وعادت اللعبة الى دائرة التجاذب الثنائي.

كان من الطبيعي أن يتصاعد في هذه الاثناء تساؤل مسيحي /مسيحي حول دور المسيحيين وحول موقع الرئاسة وصلاحيات الرئيس.

ومن حق الأوساط المسيحية التي تعمل في السياسة من منطلق طائفي أن تضع المقارنات وأن تطرح التساؤلات بل الأسئلة. ومن هذه الأسئلة مثلا: إذا سلّمنا جدلا بأن رئيس الحكومة يأتي ترشيحه بل تسميته من قبل طائفته وكذلك رئيس مجلس النواب، فلماذا يكون موقع رئاسة الجمهورية وحده مطروحا للتسوية بين النخب الرئيسية في الطوائف الأخرى ولا سيما منها الاسلامية؟

قد يكون الرد بأن الطائفة المارونية منقسمة على ذاتها ولديها أكثر من مرشح. وهذا صحيح وبرأينا جيد جدا أن يكون الموارنة منقسمين سياسيا. ولكن هل هذا سبب كاف لاستبعاد مرشحيهم الاقوياء وقيام النخب في الطوائف الأخرى بتسمية رئيس للجمهورية من خارج سياق المنافسة السياسية نفسها؟

إذا عدنا إلى الآليات التي نصحنا صديقنا بالعمل على اقتراح قانون بشأنها وذلك منذ سنوات، فهي آليات تقونن وتؤطّر عملية انتخاب الرئيس وتنتزعها من البازارات الخارجية. فالقواعد التي قد ترسمها آليات كهذه من شأنها أن ترضي الجميع.

من أهم هذه الآليات أن يكون هناك شرط الترشح للانتخابات وفي مهلة معينة. فيكون المرشحون معروفين. ثم يجب أن يتم وضع آلية لكي ينظر المجلس الدستوري في مدى مطابقة الترشيحات للدستور وتوضع عندها لائحة نهائية بالمرشحين دونما الاضطرار إلى النظر في تعديل الدستور آخر لحظة ليتطابق هو مع بعض الترشيحات. فالدستور هو القاعدة الاساسية للعبة السياسية ولا يجوز تعديله هو لينطبق على اللعبة بل إخضاع اللعبة السياسية لأحكامه.

كذلك يجب وضع قاعدة للانتخاب تجري في ضوئها العملية الانتخابية في دورات متلاحقة خلال جلسة واحدة. أما كيف تجري الدورات فيمكن أن ينص القانون المقترح على أن يكون النصاب الثلثين وأن يكون الانتخاب بأكثرية الثلثين في الدورة الأولى على أن يبقى في السباق في الدورة الثانية المرشحون الثلاثة الذين نالوا أكبر عدد من الأصوات أو المرشحون الذين نالوا أكثر من 20% من الأصوات، وعلى أن يبقى في المنافسة في الدورة الثالثة المرشحان اللذان حصلا على أعلى نسبة من الأصوات.

في هذه الحال تأتي النتيجة حسابية محضاً ويفوز من نال أكبر عدد من الأصوات. ويتم تجنب الفراغ الرئاسي وكذلك اندفاع البعض إلى عقد الصفقات والبحث عن رئيس في الكواليس وخارج مداولات مجلس النواب. كما ان آليات كهذه تسمح بلبننة الاستحقاق وتنزع ورقة الاستحقاق الرئاسي من الأيادي الخارجية.

لكن الكل يعلم أنه أبعد من استحقاق الرئاسة، هناك كباش إقليمي بين النفوذ السني والشيعي والوضع اللبناني غير منفصل عن هذا الكباش. والواقع أن أيا من الطائفتين غير قادر على الحسم لمصلحته أقلّه في لبنان، وهذا الأمر من شأنه إعادة الكرة إلى ملعب المسيحيين الذين هم مطالبون اليوم أكثر من أي وقت بأن يقدمّوا رؤية لمستقبل لبنان تكون جامعة لكل اللبنانيين ومريحة لكل مواطن لبناني. هذا الأمر يتطلب أن يتم كسر طوق المقاربة الطائفية وأن يتم التفكير من منطلق لبناني صرف.

لا يسعنا في هذا السياق إلا أن نطرح بعض الأسئلة ومنها:

- هل من رؤية لدى المسيحيين للبنان الغد خارج إطار الامتيازات التي حصلوا عليها منذ تأسيس لبنان الكبير وسعيا لاستيعاب هواجسهم؟ وما هي هذه الرؤية وما هي رافعاتها؟

- من الواضح أن النظام اللبناني هو على مفترق طرق بين التوافقية والتنافسية الصرف. فهل يحتمل الوضع اللبناني فوز فريق على آخر بين السنة والشيعة اليوم؟ برأينا لا وألف لا لأن الظروف الاقليمية ضاغطة جدا على لبنان وهناك خطر حقيقي بتفكك الدول المجاورة، أي العراق وسوريا. فما الذي يمنع تفكك لبنان وتداعي معالم الدولة والكيان فيه؟

أما بالنسبة للرؤية لدى المسيحيين لمستقبل لبنان بدون محاصصة طائفية، فهي موجودة بالتأكيد وهي تتمحور حول مشروع الدولة المدنية، دولة الحق التي تقرّ حقوق الانسان وتلتزم بالتقيد بها وبتوفير المساواة التامة في الحقوق والفرص لكل مواطنيها وفي كل المجالات ومن دون أي استثناء.
ولا شك في أن الأجيال الشابة تواّقة الى هذه الدولة التي وحدها، إن وجدت، تثنيهم عن الهجرة أو الاستسلام لليأس.

أما بالنسبة للتوافقية والتنافسية فالدولة المدنية ستكون بدون تردد مع التنافسية الصرف. لكن في مرحلة انتقالية، لا يمكن إلا أن يبحث اللبنانيون عن وحدتهم من خلال التوافقية.

لقد فهم العماد عون أن معادلة السنة مقابل الشيعة ذاهبة إلى المأزق وقد تبصّر ذلك وطرح ترشيحه للرئاسة بشرط أن يكون توافقيا. فلم يحظ بتأييد 14 آذار وخسر في الوقت نفسه بعضا من وهج تأييده لدى بعض فرقاء 8 آذار. وراح أركان 14 و8 يبحثون في ما بينهم عن تسوية تنتج رئيسا.
وهذا المنحى خطير لأنه يربط الاستحقاق الرئاسي اللبناني بالمعادلة الاقليمية ويجعل من لبنان بأسره رهينة للتوافق اوللتقاتل الاقليميين.

يجب أن يتحول النظام السياسي اللبناني يوما من التوافقية الطائفية الى التنافسية غير الطائفية ويبدأ ذلك عند تفكيك الاستقطاب السياسي المذهبي السائد والذي أنتج أزمة نظام لا مثيل لها في تاريخ المئة عام تقريبا من عمر لبنان. يمكن النظام اللبناني أن يتحول عندما يتقبّل كل فريق أن يكون هناك فرقاء آخرون في طائفته لا يجوز له الا الاعتراف بوجودهم والاقرار بحقهم في التمثيل السياسي. والتمثيل النسبي في الانتخابات البرلمانية هو المدخل لأي حلّ مستدام للبنان.

فحبذا لو نستغل فرصة هذه المواجهة واستحالة الحل الاقليمي لنفتح صفحة جديدة في حياتنا السياسية تعيد الأمل بمستقبل أفضل لهذا البلد الرهينة. فنفكّ أسره معا ونعيده الى خريطة دول العالم الحديث.

إن فتح ثغرة في جدار قانون الانتخابات المفصّل بحسب الزعامات الطائفية والمذهبية تكون بالتحول إلى النسبية في دوائر انتخابية متوسطة. وإذا أردنا أن ننسجم مع أحكام اتفاق الطائف عمدنا إلى تقسيم إداري جديد مبني على المحافظة المتوسطة الحجم على أن يتم اعتماد هذا التقسيم الجديد قاعدة لتقسيم الدوائر الانتخابية كما جاء في اتفاق الطائف.

هذا الخيار يعيد خلط الأوراق ويفتح نافذة لعودة التعددية السياسية المرنة بدل الثنائية المبنية على الاستقطاب المذهبي السني الشيعي. أما التعددية السياسية المرنة فانها توسّع هامش الحركة لكل الاحزاب السياسية فيصبح بامكانها اختراق جدار المذهبية والطائفية.

 
استاذة العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة