الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ١٩, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
صراع الأضداد بين الأزهر و «داعش» - هاني نسيره
لم ينتبه الكثير من الباحثين والمراقبين لنجاعة التحولات النشطة والفاعلة في الدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية الإسلامية الرسمية، في مواجهة الإرهاب الداعشي الصاعد في المنطقة منذ آواخر العام 2012، والتي استنفرها خطاب التشدد وممارسات الإرهاب الديني، في ظل صراع محموم على الدولة، تخوضه مصر كما تخوضه ليبيا وتخوضه اليمن وغيرها، تحت أسماء ومسميات مختلفة.

فقد صدر عن المؤسسة الدينية عموماً، والأزهرية خصوصا بين حزيران (يونيو) وكانون الأول (ديسمبر) 2014 ما يزيد عن خمسين بياناً وتصريحاً ضد الإرهاب تصحيحاً وتصويباً وبراءة وردوداً، كان من أبرزها ما صدر عن مؤتمر الأزهر العالمي لمكافحة الإرهاب في 14 الجاري، من توصيات رصينة وقوية، وما صدر عن المفتى السعودي في 18 آب (أغسطس) الماضي، وهذه نماذج، تعبر عن صراع الأضداد، بين الإسلام الوسطي وتأويله الإرهاب العنيف.

لا بد من التذكير أن ظهور «داعش» وأخواتها، وفي مقدمتها جبهة النصرة التي كانت فرعاً من القاعدة في العراق، قبل الانقسام والمفاصلة بينهما في نيسان (أبريل) 2013، كان جزءاً من توابع الأزمة والثورة السورية العالقة، واستثماراً في مظلوميتها في ظل نظام استخدم الأسلحة البرية والجوية والكيماوية المحظورة وعندها بدأت تظهر كتائب جهادية سنية مقاتلة ضده وضد الجهاديات التابعة له التي سبقت الجميع في الانخراط في الصراع.

استخدم الأسد الكيماوي إحدى عشرة مرة على الأقل كما جاء في تصريح لوزير الخارجية الأميركي جون كيري في التاسع من ايلول (سبتمبر) 2013.

وكما ظهرت «داعش» في أتون القمع الأسدي المحمي بالطائفية، استيقظت الجماعة التكفيرية من جديد في العراق في حمأة سياسات التمييز الطائفي التي مارسها نوري المالكي في ولايتيه، وكان أول ظهور لأبي محمد العدناني، المسؤول الاعلامي في «داعش»، بعد يوم واحد من فض اعتصام الأنبار السلمي بالقوة من قبل ميليشيات المالكي أواخر كانون الثاني (يناير) 2013، ثم كانت صحوة ما عرف بـ «نكسة حزيران - يونيو» العراقية حين سيطر «داعش» على ست محافظات سنية في العراق، فرت منها قوات رئيس الوزراء العراقي السابق، مخلفة له عتادها، ليعلن خلافته وخليفته أواخر الشهر نفسه. إنها سياقات التوحش التي أتاحت لفكر «داعش» والزرقاوي التمدد والظهور.

لماذا لم يكفر الأزهر داعش؟

ثارت ثائرة بعضهم حين أعلن متحدث باسم الأزهر يوم 14 الجاري عدم تكفير الأزهر «داعش»، وهو أمر أصاب فيه الأخير كرمز للوسطية يعبر عن أصول الدين عند أهل السنة، فلم ينجرف للغلو وتكفير مخالفيه، وهو باب لو فتح لخالف به النظام المعرفي والمنهجي لأهل السنة والجماعة في عدم قولهم بتكفير « وَلَا يُخْرِجُونَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلِ إذَا كَانَ فِعْلًا مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ .. مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ تَرْكَ الْإِيمَان» ( مجموع الفتاوى20/90)، كذلك لم يُكفر الخوارج ووصفوا بالبغاة، ولم يكفر ابن حنبل الجهمية والمعتزلة، رغم ما وقع عليه منهم، وقال ابو حنيفة في الفقه الأكبر: باب الإٍسلام الشهادتان من قالهما دخل فيه ومن أنكرهما خرج من حيث دخل».

استقام الأزهر مع المنطق الوسطي الإسلامي في رفض التكفير عموماً وعيناً، للبغاة والغلاة، فأهل السنة يخطئون ولا يكفرون، وهو ما لا يفهمه بغاة وغلاة «داعش»، التنظيم الذي انحرف وانحرف أسلافه حين اختزل الإسلام وعقائده في الحاكمية كما اختزل الصحة في أطرها، واختزل الجهاد في القتال، والأمة في الإمامة، وجعل الخروج ومفاصلة الحكام سمته ورسمه ودعوته وغايته، رغم أن ابن تيمية وهو أحد مرجعياتهم - التي تأولوها - يقول في منهاج السنة النبوية «إن الخروج على أئمة الجور كان مذهبًا قديمًا لأهل السنة ثم استقر الإجماع على المنع منه»... وهكذا استقر هذا المذهب وانتشر ليكون مذهب الغالبية المسلمة، لأنه توقف عن الخلاف بين الصحابة، ولم يكفّر مخالفيه، ولم يقل بالخروج كما قالت به الفرق الأخرى، التي لم يبق منها إلا أكثرها اعتدالاً كالزيدية والإمامية والإباضية من الخوارج وانقرض متطرفوها. وكذلك ستنقرض داعش.

إن غلو «داعش» في استحلال التكفير والمخالفين، والقتل على الطائفة واللون، كما أسّس سلفه الزرقاوي وانتقده عليه شيخه المقدسي والظواهري عام 2005 سيكون نهايته. ولكن ما تحتاجه المؤسسة الدينية التي نشط دورها واستنفرتها الأحداث والممارسات الإرهابية هو ضبط خطابها والدفع بوسطيتها إلى أتون هذه المعركة مع المتطرّف الذي لا يبالي باستهداف المدنيين في المساجد (نيجيريا) أو المدارس ( طالبان باكستان) ولا المقاهي ( سيدني) ولا المولات التجارية ( مول أبوظبي)... إنها معركة الوجود بين الإسلام والإرهاب، وبين الحضارة والتوحش.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة