الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ١٨, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
الإسلام الراديكالي وأزمة الديموقراطية المعاصرة - طارق أبو العينين
على رغم أن مجريات الأحداث منذ الاعتداء الإرهابي على جريدة «شارلي إيبدو»، وصولاً إلى التظاهرات المليونية في باريس، تشي بأن العالمين العربي والغربي بصدد لحظة مواجهة تاريخية بين نموذجين سياسيين وحضاريين متناقضين، أحدهما إسلامي أصولي عنيف، والآخر مدني عقلاني مستنير، إلا أن تأملاً للحظة المواجهة تلك يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأنها ليست منفصلة أبداً عن أزمة الديموقراطية المعاصرة التي فككت هذا التناقض الظاهري بين النموذجين. فالديموقراطية المعاصرة بصفتها خطاباً سياسياً وفلسفياً وتاريخياً تعاني منذ سقوط الاتحاد السوفياتي من أزمة مزدوجة نجمت عن سعي النظم السياسية الديموقراطية إلى الهيمنة على إرث الإمبراطورية السوفياتية، بدلاً من ترسيخ نموذج ديموقراطي خالص يؤكد مجمل القيم التي واجهت بها الشيوعية لعقود عدة.

وهو أمر كان أبرز تداعياته وأكثرها كارثية توفير بيئة سياسية حاضنة للفاشيات الدينية والعسكرية المنبثقة من الخطاب الهوياتي العربي. إن الكتابات الشهيرة والمتداولة إلى درجة الابتذال للتعبير عن لحظة انتصار الديموقراطية على الشيوعية بصفتها نهاية التاريخ، لفرانسيس فوكوياما، وصراع الحضارات لصموئيل هنتنغتون، تضعنا وجهاً لوجه أمام أزمة الديموقراطية المزدوجة والتي تتمثل في بزوغ خطابين تاريخيين متناقضين يفرّغان الديموقراطية من مضامينها الكلاسيكية الحقيقية.

فأطروحة فوكوياما أعادت إنتاج الأنماط التنبؤية الكليانية لتفسير التاريخ التي انتعشت منذ بداية القرن التاسع عشر. فعلى رغم أن تلك الأطروحات القديمة تنبأت فعلاً بسيادة الخطاب الليبرالي المستنير وتحوله إلى خطاب أممي كوني متأثرة في ذلك بالانتصارات التي حققتها الإمبراطورية النابوليونية إبان تلك الحقبة التاريخية البعيدة، إلا أن تلك الأنماط الكليانية لتفسير التاريخ شكلت بنداً تأسيسياً في كل الصيغ المعادية للديموقراطية كالنازية والشيوعية. أما بالنسبة إلى أطروحة هنتنغتون، فإنها نحت على العكس من ذلك إلى الانتصار لما هو قومي وهوياتي على حساب ما هو أممي وكوني وديموقراطي.

فالحضارة العالمية المعاصرة ارتدت عبر أطروحة هنتنغتون إلى العنصر الهوياتي ما قبل الديموقراطي وذلك كبديل من الخطاب السياسي والفلسفي الكلاسيكي لعصر الأنوار الذي ربط الهويات الوطنية بالحريات وبمجمل الحقوق الدستورية والقانونية التي تكفل للجماهير حقها الكامل في حكم نفسها بنفسها، بما حول الديموقراطية إلى قيمة إنسانية أممية وكونية.

هنا، تبرز الدلالة الكبرى لموجة الإرهاب الدموية التي ضربت باريس أخيراً. ففرنسا بالتحديد كانت موطن الشرارة الأولى لتحول الليبرالية المستنيرة إلى خطاب أيديولوجي أممي تبنته القوى الثورية في أعقاب الثورة الفرنسية وما ترتب على ذلك من رد فعل ببزوغ خطابات قومية هوياتية مضادة لتلك الديموقراطية داخل أوروبا نفسها بفعل النزعة الإمبريالية لهذا الخطاب الأممي، ولأن نقد تلك الإمبريالية كان ولا يزال فضيلة غائبة عن الكتابات الغربية الراصدة لصعود ظاهرة الإرهاب الإسلامي المسلح في العالم العربي، وعلى رأسها كتابات المستشرق البريطاني - الأميركي برنارد لويس الذي ذهب في كتابه «الإسلام الأصولي» إلى أن الإمبريالية الغربية والأميركية غير مسؤولة تاريخياً عن نشأة تلك الظاهرة، فإن هذا الغضب الهوياتي بات مرشحاً لتصاعد أكبر في الفترة المقبلة بفعل غياب هذا النقد، خصوصاً في ظل تناقض الخطاب الديموقراطي المعاصر نفسه بين ما هو هوياتي وما هو أممي.

لذلك، فإن ما جرى ويجري في العالم العربي في أعقاب الثورات لا يمكن أن ينفصل عما جرى في باريس أخيراً. فعرب ما بعد الثورات ارتطمت أحلامهم الديموقراطية بنموذج ديموقراطي فاسد ومعطوب ومتناقض في العراق أفرز أصولية إسلامية مسلحة كـ «داعش»، استُخدمت أفضل استخدام من جانب النظم التسلطية العسكرية وقوى الثورة المضادة لوأد أحلام التغيير في العالم العربي.

ويمكن القول انطلاقاً من ذلك أننا بصدد لحظة أزمة قد تطول لأن التناقضات ما بين الفاشية الهوياتية العربية بشقيها العسكري الوطني والراديكالي الإسلامي من ناحية، وبين النموذج الليبرالي الغربي من ناحية أخرى غائرة وغير واضحة المعالم بفعل أزمة الديموقراطية المعاصرة. فالكليانية الليبرالية التي خرجت من رحم مقولة «نهاية التاريخ» أفرزت في المقابل فاشيات دينية وعسكرية تستدعي التبريرات الكليانية وحتمياتها التاريخية لقمع الآخرين وسفك دمائهم، متسربلة بشعارات ومقولات كمقولة «الغاية تبرر الوسيلة» وعن المنقذ الفرد والفرقة الناجية. كما تستمد شرعيتها في الوعي الجمعي العربي الممزق بين هاتين الفاشيتين من الطموح الإمبريالي الذي خرج من رحم تلك المقولة ومن حتمية الصراع الحضاري بين الشرق والغرب.

ومن ثم، يمكن القول أن لحظة الانكشاف التاريخي والتمزق الإثني والصراع السياسي العنيف في المشرق العربي كنتاج للطموح الإمبريالي الغربي ستُسدد فاتورتها بالكامل من أمن أوروبا، إذا استمر الغرب في ممارساته الإمبريالية التي تعرقل التحول الديموقراطي العربي، ومن ثم تحيل الهوية إلى فاشية مسلحة تسدد طلقاتها إلى صدور خصومها ومعارضيها هنا أو في أوروبا.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة