الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ١٥, ٢٠١٥
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
البحث عن معنى... بالقتل - حامد الحمود
كان الأخوان: سعيد وشريف كواشي يبحثان عن معنى لحياتهما، فوجداه في قتل 12 من الصحافيين والعاملين في صحيفة شارلي أيبدو والتي تهكمت على جميع الديانات. هذا في بلد يسمح بالحريات الصحافية بما في ذلك التهكم على الأديان. إن الغالبية العظمى من البشر تعتبر أنهما ارتكبا جريمة و إن حققا مجدا وشهرة، لأنه مجد رخيص وشهرة سيئة. ورغم ذلك يبقى أنهما كانا يبحثان عن معنى. والبحث عن معنى لا يعني أن الإنسان يجده في عمل خير أو انجاز إنساني أو حتى في عمل عادي.
 
وحول هذا الموضوع، يقتبس ديفيد بروكس في مقاله "المشكلة في المعنى" المنشور في "نيويورك تايمز" بتاريخ 2015/1/5 من جون جاردنر قوله: "المعنى هو ما تبنيه في حياتك، من تاريخك ومن ميولك العاطفية ولأناتك من الخبرات الإنسانية كما وصلت إليك... وأنت الذي سيضعها في النموذج الفريد الذي يكون حياتك".

ولا نعلم تفاصيل الخبرات الإنسانية كما وصلت إلى الأخوين سعيد وشريف لكن القليل الذي نعرفه يدلنا أنها وصلت مشوهة. فهما يتيما الأبوين وقضيا جزءا من حياتهما في ملجأ. وشريف بدأ شبابه مغنيا للراب وتاجر مخدرات. والأكبر سعيد درس "علوما" دينية في اليمن وتواصل مع قياديين من "القاعدة". كما أن شريف قضى حوالى سنتين في السجن. ويبدو أن سعيدا أكمل خبراته الإنسانية لدى ذلك "العالم" في اليمن، صانعا نموذجا فريدا له ولأخيه. وكونهما يتيمي الأبوين لا يعني أنه أدى بالضرورة إلى انحدارهما وتطرفهما. هنالك حالات أكثر قسوة ولدت أدباء وعلماء ورجال ونساء عاديين خيرين. الروائي المغربي محمد شكري عاش ظروفا قاسية، فدخل السجن مراهقا وباع المخدرات ولم يتعلم الكتابة إلا وعمره 16 سنة. لكنه في النهاية قابل من وجَّهه وشجعه على الكتابة، فنشر رائعته "الخبز الحافي". فهكذا وجد المعنى لحياته بالكتابة الأدبية. وما كان بالضرورة أن يصبح الأخوان أديبين. لو كان سعيد قد قابل وتأثر برجل دين محب ومعتدل، ربما كانت النهايات مختلفة.

البحث عن معنى للحياة يعكس حاجة روحية ولن يكفي إرضاء حاجات مادية. يتماثل البشر في طلبهم للمأوى والمأكل وأسباب السعادة الأخرى، إلا أنهم يختلفون في بحثهم عن معنى لحياتهم. وكما يقول ديفيد بروكس في مقاله فإن "البحث عن معنى مبني على عواطف، وغير قابل للإرضاء والاختزال، ولأنه مبني على عواطف فهو ذاتي غير موضوعي ونسبي".

ولعل قليلين انتبهوا إلى أن في اليوم الذي قتل فيه 12 في باريس، قتل 37 في صنعاء. لقد هز العالم ما حدث في باريس، لكن ما حدث في صنعاء كان خبراً اعلاميا هامشيا. في فرنسا، يجد البشر معنى لحياتهم في العمل و الابتكار، في العلم والفن وفي الكتابة لا في القتل والانتقام. أما في صنعاء، فهناك الكثير ممن يجد المعنى في القتل والانتقام، فهؤلاء ينتمون إلى أمة ما زالت تبحث عن معنى فما بالك بالأفراد. المعاناة في باريس أصبحت من الماضي. أما عندنا فهي الحاضر والمستقبل.

كاتب كويتي
 
 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة