السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ١٧, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
ما قالته هيلاري وما لم تقله وما يستحيل عليها قوله - محمد الحداد
تصرّ عشرات المواقع الاجتماعية، بل صحف عربية أيضاً، على أنّ وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، اعترفت في كتابها «القرارات الصعبة» بأنّ بلدها هو الذي أنشأ تنظيم «داعش» لتقسيم الشرق الأوسط، إلى بقية القصّة التي باتت معروفة لكثرة تداولها، وأصبحت قناعة راسخة لدى آلاف القرّاء العرب، حتى اضطرّت سفارات أميركية إلى تكذيبها رسمياً.

في البدء، بدا الأمر أقرب إلى المزاح، لكنه أصبح ظاهرة تستحقّ التأمّل والتحليل، فكيف يمكن لجزء من مجتمعاتنا أن يصدّق بسهولة أخباراً بهذه السذاجة؟ ألهذا الحدّ تراجع الحسّ النقدي في مجتمعاتنا إلى أن أصبحت سوقاً لكلّ المستحيلات العقلية؟

أثارني في هذا الخبر المختلق أنه يرد بصيغة الاعتراف، أي أنّ متقبّله يرى ممكناً أنّ الوزيرة السابقة والمرشّحة لرئاسة أقوى بلد في العالم هي في وضع «اعتراف»، والاعتراف كما نعلم، وضع ضعف واضطرار، كاعتراف المجرم للمحقّقين، فما الذي يجعل أقوى امرأة في العالم تعترف؟ وما الذي يجبرها على اعتراف كهذا؟ هل تخشى مثلاً أن يصل «الربيع العربي» إلى واشنطن ويسقط النظام هناك أم تخشى قيام «داعش» بضمّ بلدها إلى أراضي «الخلافة»؟

صحيح أنّ الولايات المتحدة يمكن أن «تعترف»، إذا كان ذلك في مصلحتها، مثلما اعترفت بمسؤولياتها في الانقلابات العسكرية في أميركا اللاتينية، والانقلاب ضدّ مصدّق في إيران، لكنّ هذه الاعترافات لم تحصل إلاّ بعد انتهاء الحرب الباردة وبعدما أصبحت مفيدة للاستراتيجية الأميركية الجديدة. وإذا افترضنا أنّ أميركا وراء تأسيس «داعش»، فما مصلحتها في الاعتراف بذلك الآن؟ وما مصلحة هيلاري وهي تتهيّأ لخوض الانتخابات وتحتاج لأصوات الناخبين الذين ينظرون إلى «داعش» نظرة اشمئزاز؟

كان المفروض أن تراود هذه الأفكار من بلغه الخبر ليحكم عليه بالاستحالة العقلية، بحسب العبارة الخلدونية القديمة، أو يدفعه إلى التحقيق فيه بقراءة الكتاب أو العروض حوله، باعتبار أن الحديث يدور حول كتاب في السوق وليس وثيقة سريّة.

ما يمنع التصرّف السليم ظواهر مرضيّة ثلاث استفحلت قبل عقود طويلة حتى بلغت بنا درجة اللامعقول الكلّي.

فالظاهرة الأولى توهّم القوّة، حتى أنّنا حوّلنا ونحوّل كلّ هزائمنا انتصارات، وجعلنا ما نتخبّط فيه من أزمات علامة على أهليّتنا لأستاذية العالم، وتصوّرنا أنّ ما نعيشه من منازعات أهلية وفوضى يخيف الآخرين ويهدّدهم، مع أنّنا لم نفلح إلاّ في الإساءة إلى بعضنا.

والثانية الرغبة المحمومة في إنكار المسؤولية الذاتية وتعليق كلّ المشاكل على الخارج، فلا نربط «داعش» بالديكتاتورية البعثية التي خرّبت البلد على رؤوس ساكنيه، ولا بالطريقة العشوائية التي وزّعت بها الأسلحة على فصائل المعارضة السورية، ولا بالعقلية التي نرسخها منذ الصغر لدى أطفالنا عندما نلقّنهم عن الخلافة في المقرّرات المدرسيّة والخطب المسجديّة، وأنّ غير المسلم ذميّ مطالب بدفع الجزية، وأنّ غير الكتابي لا يقبل منه إلاّ الإسلام أو السيف. كما جعلنا التطرّف الديني مقبولاً، تحت شعار «المقاومة»، أو باسم الثورة أو «الربيع العربي».

الظاهرة الثالثة ضعف الحسّ النقدي لغياب التنوير وغلبة الأساطير وسيادة التجهيل والتلقين وغياب صوت العقل، وهو منحى قديم زادته التقنيات التواصلية الحديثة رسوخاً، فلا شكّ أنّ تصديق خبر يتواتر على الشبكات الاجتماعية أيسر من قراءة كتاب يزيد على 650 صفحة.

والأدهى في التعامل مع كتاب كلينتون أنّنا لن نشهد إلاّ القليل من المحاولات الجادّة لتحليل مضمونه وفهم موجّهات السياسة الأميركية عبر ما يرد فيه من معلومات، بدل افتراء ما ليس فيه. فتدوين المسؤولين لمذكراتهم عادة قديمة في أميركا، وهذه الكتابات تخضع دائماً لمراقبة دقيقة كي لا تضرّ الأمن القومي، ولا شكّ أنّ كتاب هيلاري لم يشذّ عن القاعدة، لكن ثمة تميّزاً مهماً يتمثل في أنّها لا تكتب مذكّرات بعدما غادرت الساحة السياسية، بل تهيّء لخوض رئاسيّات 2016 بتقديم رؤاها وبرامجها لبلادها وللعالم.

وبدل نظرية المؤامرة، التي تحكم غالباً علاقاتنا بالآخرين، نحتاج إلى التدرّب على التعامل مع الرؤى المختلفة لنرى كيف يستفاد من جوانب منها وتوقّي جوانب أخرى. وعلى هذا، يتميّز الكتاب بدرجة من الصراحة غير معهودة في هذا النوع من الكتابات، ما يجعله وثيقة متميزة لمعرفة كيف تنظر الولايات المتحدة إلى العالم ودورها فيه، وماذا تريده منّا وماذا تريده لنا. فالسيدة كلينتون تؤكّد قناعتها الراسخة بأنّ بلدها يحمل رسالة كونية وأنّ على حكوماتها ومسؤوليها نشر قيمها في كلّ العالم. وهي تقسّم الدول قسمين، قسماً يتحدّد التعامل معه بمقتضى التداخل والتكامل بين القيم والمصالح، وآخر تضطرّ فيه أميركا إلى إيجاد معادلة صعبة بين القيم والمبادئ بسبب التعارض بينهما. أما وسيلة نشر المبادئ والدفاع عن المصالح، فحدّدتها كلينتون بطريقة جديدة دعتها «القوّة الذكية». وإذا كان هناك من كشف في الكتاب، فهو تقديمها للثورات العربية على أنّها مثال ناجح لنظرية القوّة الذكية. فهيلاري لم تعترف، بل بدت حريصة على أن يعلم العالم كلّه أنّ أميركا ساندت هذه الثورات وساهمت فيها عبر تكوين المدوّنين وتوظيف الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، حتى أنّها تحدثت بتفصيل عن اجتماعات عقدت مع مسؤولين عن «تويتر» و«فايسبوك» و«مايكروسوفت» و«سكايب»، وقد شمل البرنامج، بحسب قولها، 18 بلداً ذكرت منها بيلاروسيا وسورية وتونس وليبيا. وبدت متأكدة من أنّ تطوّر وسائل الاتصالات الحديثة سيعمل لإنجاح استراتيجية القوة الذكية التي تقترحها.

فالأمر لا يتعلّق، كما نرى، باعترافات ومؤامرات، وإنما برؤى واستراتيجيات لدولة عظمى. ولعلنا نميل إلى القول إنّ التعامل معها يمكن أن يحصل كذلك بطريقتين: طريقة التعامل الذكيّ الذي يسعى إلى التأثير في الرؤية الأميركية عبر إقناعها بأنّ بعضاً من عناصر هذه الرؤية يمثل تهديداً لمصالح أميركا ويخالف قيمها، وفي مقدمها الدعم غير المشروط للسياسات الإسرائيلية في المنطقة... وطريقة التعامل الغبيّ الذي فرضه علينا أسامة بن لادن منذ 2001، والمتمثل في توريط أميركا بتدخلات مباشرة لمواجهتها بالجهاد. فقد ألحقت هذه الطريقة الأذى الكبير بالمنطقة وما زالت تهدّدها بأعلى الأخطار، من دون أن تتسبّب لأميركا بأضرار ضخمة.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة