الأحد ٢٩ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ١٢, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
في النظام السوري واحتكار الحقل العام - لؤي حسين
من المعروف أن السلطات السورية التي وصلت إلى سدة الحكم بوسائل انقلابية، بخاصة تلك التي قادتها أحزاب يسارية تدّعي تمثيل الطبقات والفئات الاجتماعية الفقيرة، أي تمثيل أكثر من تسعين في المئة من قطاعات المجتمع، كحزب البعث، أصدرت قرارات في أزمنة مختلفة صادرت وأممت من خلالها عدداً من الحقول والقطاعات الرئيسة في البلاد. وكان من أشهرها القطاع الاقتصادي الذي احتكرته السلطات السورية لفترات طويلة قبل أن يلتف قادتها عليه ويدخلون حقل الاستثمارات تحت صيغ الاستثناءات، إلى أن تم تحريره ضمن ضوابط تبقي الكسب المالي الكبير لمصلحة قيادات السلطة وأقربائهم ومقربيهم.

كذلك فعلت بقطاع التعليم، حيث صادرت كل المؤسسات التعليمية وأممتها اعتماداً على قرارات ومراسيم عليا. وفعلت شيئاً مشابهاً بالقطاع الثقافي حيث احتكرت تدريجاً الحقل الثقافي بكل مستويـــاتــــه من دون إصدار قرارات بالمصادرة والتأميم.

كانت السلطات السورية تسير بهذا النهج تحت شعار الاشتراكية، التي اعتمدتها في ذلك الحين الأحزاب التي اصطلح على توصيفها باليسارية. وكانت هذه الاشتراكية تقوم في أساسها على القصاص من البورجوازيين والملاكين، من خلال سلبهم ممتلكاتهم باسم «الغالبية الساحقة» من الشعب، وتأميم هذه الممتلكات (أي تحويل ملكيتها الى الدولة) أو توزيعها على غير الملاكين (قانون الإصلاح الزراعي). فكانت هذه الأيديولوجيا التي تؤسس بنيوياً للاستبداد كنظام حُكم يقوم على ما سمّوه «شرعية ثورية» (تعبيراً أكثر أخلاقية من الشرعية الانقلابية) بادعاء، لا يمتلك أدنى حد من الاثبات، أنه يمثل الغالبية الساحقة من السوريين.

وسرعان ما أنتجت وبلورت هذه الأيديولوجيا، وهذا النوع من الاشتراكية، سلطات مستبدة أو أكثر استبداداً من خلال المصادرة الأخطر وهي مصادرة الشأن العام والحقل العام بشكل شبه مطلق. هذه المصادرة جاءت من دون قرار تأميمي واضح، بل تمت بشكل تدريجي متسارع جداً. إذ بدأت السلطات بمنع جميع الفعاليات الأهلية التي تهتم بالشأن العام لسبب أو لآخر، واحتكار العمل بهذا الشأن. فمنعت قيام الأحزاب لتحتكر العمل الحزبي وتحصره بحزب السلطة (حزب البعث)، أو «أممت» الأحزاب التي قبلت الانصياع لها ومشاركتها ما سمّي «الجبهة الوطنية التقدمية». واحتكرت الإعلام بشكل مطلق، وكذلك فعلت بالنقابات ومؤسسات العمل المدني وكل أشكال التنظيم المجتمعي، إلى أن احتكرت الحقل العام بجميع مستوياته، أو بمعنى آخر تم إلغاء كل دور للطبقة الوسطى والحيلولة دون تمكنها من ممارسة مهماتها.

تحوّل الحقل العام بمجمله إلى حقل خاص للسلطة وأجهزة تسلطها، وبات السوري لا يحق له الاهتمام بأي أمر غير أموره الشخصية البحتة، حتى أنه لا يحق له التدخل في شأن تنظيف حيّه أو مدرسة أبنائه، فكل هذا من شأن السلطات حتى لو لم توجد مؤسسات متخصصة في ذلك. وانقلبت، عرفياً، إثر ذلك القاعدة الدستورية والقانونية التي تقوم على الإباحة، أي كل شيء مباح للمواطنين ما لم يُمنع بقانون، لتحل محلها قاعدة المنع، أي كل شيء ممنوع على أي مواطن ما لم يسمح به وينظمه نص قانوني. وصارت الإباحة حكراً على السلطة وأجهزتها التي تبيح لنفسها السيطرة على كل شيء متعدية بذلك على أي بند دستوري أو قانوني.

قامت الانتفاضة السورية، في آذار (مارس) 2011، مخترقة احتكار السلطة للشأن العام على مستويين، الأول: تثبيت حق المواطنين بالبت بالقضايا التي تمسهم كجماعات، بدءاً من الحق بتقويم المحافظ والعمل على تنحيته، وليس انتهاء بتقويم رئيس الجمهورية والعمل على إسقاط حكمه. والثاني، وهو ربما الأهم: أن هذا الحراك كان بشكل علني. فالعلن هو المستوى الأهم الذي احتلته السلطة واحتكرته بالمطلق. فإن كانت تقبل تدخل العموم بالقضايا العامة ضمن مؤسسات ومنظمات مسيطر عليها من قبلها، فإنها لم تقبل ولا مرة أن يكون ذلك علنياً. لهذا كان من الملاحظ تشدد السلطة بمعاقبة المعلنين عن التظاهرات أكثر بكثير من معاقبة المتظاهرين.

العلن هو الميدان الرئيس لمصارعة الاستبداد وتقويضه. هذا الأمر الذي فات الكثيرين من المعارضين والناشطين، الذين آثروا العمل السري أو الخفي، أو سارعوا إلى مغادرة البلاد ليمارسوا دورهم المعارض من خارج الحدود، ولينادوا من الخارج بتحرير الأرض من «احتلال» النظام، بدل بقائهم على الأرض ذاتها والعمل على تحرير الحقل العام من احتلال النظام. فالنظام لم يكن محتلاً الأرض بل محتلاً الحقل العام.

ليس صحيحاً أن السبيل إلى تحرير الحقل العام يكون حصراً من خلال إسقاط النظام أو إطاحة قيادته. إذ ليس كافياً أحياناً إنهاء ظاهرة ما بإلغاء أو انتفاء المسبب أو «السبب الأول». فبعض الظواهر تولّد آليات حياة ذاتية، وتستقل كلياً عن مسببها. وبعض الوجودات، كالنظام، يمكن إنهاؤه بإلغاء أو إضعاف تمظهراته. أي أن العمل على إنهاء احتكار السلطة للحقل العام، من خلال تحرير الشأن العام بعمل علني متعيّن كان أضمن نتيجة وأوفر ثمناً لإنهاء النظام الاستبدادي.

مع ذلك، فالانتفاضة، بطابعها السلمي الحقوقي، حررت حيّزاً، ولو صغيراً، من الشأن العام. إذ بات من الاعتيادي أن يتحدث العموم بقضايا كالاعتقال والقصف والمعارضة في الأماكن العامة. وبات من المعتاد أيضاً أن توجد في هذه الأماكن العامة شخصيات معارضة معروفة. ولم يعد وجود مجموعات سياسية معارضة داخل البلاد أمراً مستحيلاً.

مواجهة نظام سياسي استبدادي، تحكمه سلطة قمعية باطشة، كالنظام السوري وكالسلطة السورية، ليس أمراً سهلاً ولا قصيراً ولا بسيطاً. وليس عبر وجود جهة عنفية أقوى منه، فها هو «داعش» يزداد كل يوم قوة عنفية، ويزداد النظام ضعفاً عنفياً، لكن هذا المسار لن ينهي البتة الاستبداد في سورية.


* رئيس تيار بناء الدولة السورية



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة