أنقذوا ليبيا قبل فوات الأوان، كان هذا عنوان أحد مقالاتي المنشورة هنا، تحذيراً من عواقب ما كان يطبخ على نار هادئة، إلى أن حصل المحتوم. لكن، من كان قادراً على إنقاذ ليبيا؟ أحداث سورية ثم العراق وأخيراً غزّة تستقطب الاهتمام الأكبر للعرب، أمّا الغرب فشغله الشاغل أوكرانيا وشبح قطع الغاز الروسي المتدفق عبر أراضيها.
المفارقة في الوضع الليبي أنه نظرياً، الأكثر يسراً في المنطقة، بالنظر إلى المخزون النفطي الهائل، والمساحة الشاسعة مقابل العدد المحدود من السكان، فكان يمكن لليبيا أن تزدهر ويتعايش فيها الجميع بعد التخلص من القذافي الذي بدّد ثرواتها. لكنّ الأمل سرعان ما خاب لعاملين خارجي وداخلي.
فأوّل العاملين هو الموقف الغربي المتسم بانعدام المسؤولية. كان واضحاً أنّ القذافي خرّب كلّ مقوّمات الدولة، فلا تكفي الإطاحة به كي تقوم الدولة، فضلاً عن الديموقراطية. لذلك كانت ليبيا محتاجة إلى مسار انتقالي برعاية دولية نشيطة وفاعلة. لكن يوم 11/09/2012، قتل السفير الأميركي كريس ستيفنس مع ثلاثة موظفين من السفارة، ومذّاك رفعت الولايات المتحدة يدها عن البلد، وتركته في قبضة المؤسسات النفطية التي تستفيد من غياب سلطة مركزية. ذلك أنّ قتل السفير، وقد حصل أثناء الحملة الانتخابية للرئاسة، كادت تكلّف أوباما كرسي البيت الأبيض، وهو لم يكن شديد التحمس أصلاً للتدخل العسكري بما أنّه انتخب ليوقف الحروب الخارجية وليس لشنّ أخرى.
والغريب في الاغتيال أنّ معالمه لم تكشف إلى الآن ولم تحدّد الجهة المسؤولة عنه. وقد خطفت المخابرات المدعو أبو أنس الليبي في شباط (فبراير) 2014، ما يؤكّد أنّ منفذي العملية كانوا من الذين نسّقت معهم أميركا لإطاحة القذافي، وذكرت هيلاري كلينتون في مذكراتها الصادرة مؤخراً أنّ السفير اغتيل بعد أربعين دقيقة من لقائه ديبلوماسياً تركيّاً، ما يرجح أنّ هذا الديبلوماسي كان يتوسّط لحلّ خلاف ما أدّى إلى غضب الإسلاميين واقتحام مقرّ السفير في بنغازي. ومعلوم أنّ أميركا تحالفت مع الإسلاميين المتشدّدين الذين يحملون أيديولوجيا «القاعدة» لإطاحة القذافي قبل الثورة بسنوات عدة. لذلك يستبعد أن تكشف يوماً تفاصيل عملية الاغتيال كي لا يفتضح هذا التعامل السابق الذي لا يمكن للرأي العام الأميركي أن يتقبله.
لقد سلكت واشنطن الطريقة الأسهل، وهي ترك البلد يواجه مصيره بنفسه، وصاحب ذلك فشل الرئيس الفرنسي ســاركوزي في الفوز بولاية ثانية، وخلفه الاشتراكي هولاند الذي لم يبدِ الحماسة نفسها للاهتمام بالشأن الليبي، وأخيراً جاءت أزمة أوكرانيا لتحوّل الاهتمام كليّاً عنه.
ومؤخراً، تحدث العديد من التقارير عن دفع الاستخبارات الأميركية الضابط خليفة حفتر لمحاولة الحدّ من سيطرة ميليشيات «أنصار الشريعة» على البلد، وهو عقيد سابق كان مقرّباً من القذافي ثم انشق عنه، وعلى عكس ما يقال، فهو ليس جنرالاً ولا يحظى بدعم كلّ الفرق العسكرية، علماً أنّ الحديث عن جيش ليبي أمر يخلو من الدقّة، فلا وجود لجيش وإنما لكتائب ذات توجهات مختلفة. وقد حظي تدخّل حفتر ببعض المساندة لأنه بدا القوّة الوحيدة القادرة على مواجهة «أنصار الشريعة»، لكن تدخّله لم يستند إلى خطط واضحة، وكانت نقطة قوّته استعماله سلاح الطيران، وبدا حريصاً على التفرد بالقرارات بما جعل التفاهم بينه وبين القوى الوطنية عسيراً، وأخيراً خسر حفتر القاعدة العسكرية الرئيسة في بنغازي فيما تدرّب مقاتلو «أنصار الشريعة» في الأثناء على إسقاط الطائرات، بما يؤشّر إلى أن الحلّ على طريقته لم يعد يحظى بحظوظ كبرى للنجاح.
الحلّ الآخر الممكن هو الذي يتصل بالعامل الداخلي ويقوم على تسليم السلطة لبرلمان منتخب، وهو أيضاً يبدو بعيداً. لقد شهد البلد انتخابات المؤتمر الوطني في تموز (يوليو) 2012، وقد أسفرت عن وضعية غريبة. ففيما فاز تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل بالمرتبة الأولى، سيطر الإسلاميون على المؤتمر لأنّ القانون الانتخابي يقوم على نظام مزدوج يجمع بين القوائم الحزبية وقوائم الشخصيات، وقد خسر حزب «العدالة والبناء» (الإخوان المسلمون) المنافسة الحزبية لكنه اجتذب عديد الشخصيات المستقلة لصفوفه، وجرى الحديث آنذاك عن مبالغ مالية ضخمة من قطر لإنجاح تلك التحالفات التي حرّفت نتائج الانتخابات.
وبصرف النظر عن المناورات الانتخابية، فأخطر ما قام به الإسلاميون بمختلف أصنافهم هو قانون العزل السياسي الذي حرم ليبيا بعض الكفاءات والخبرات التي قادت الثورة، مع أنها تقلّدت مناصب رسمية في العهد السابق، ومنها رئيس المؤتمر نفسه محمد المقريف، ورئيس الحكومة آنذاك علي زيدان. وقد رفض «الإخوان» إدخال تعديل على القانون يستثني شخصيات ساهمت في إنجاح الثورة. وبذلك احتكر الإسلاميون تقريباً مواقع القرار الرئيسة، لكنهم فشلوا في بناء مؤسسات دولة جديدة وفي تطوير الاقتصاد، ولم ينجم عن سيطرتهم إلاّ تقوية الميليشيات المختلفة.
والإسلاميون في ليبيا ثلاثة أصناف. فمنهم، وهم الغالبية، الزعامات القبلية التي تستعمل الإسلام في بلد لا تكاد توجد فيه ثقافة سياسية ومدنية بسبب الديكتاتورية القذافية الني لم تسمح بتعليم شيء آخر غير الكتاب الأخضر، ومنهم «الإخوان» وأداتهم السياسية «حزب العدالة والبناء»، ومنهم المتشدّدون كتنظيم «أنصار الشريعة». وفيما رفض «أنصار الشريعة» الديموقراطية من الأصل معتبرينها كفراً، اتسم موقف «الإخوان» بالإزدواجية، إذ خاضوا الانتخابات من جهة ودعّموا الميليشيات من جهة أخرى.
ومع ظهور حفتر، أصبح «الإخوان» يخشون سيناريو على الطريقة المصرية، فزاد تقاربهم مع «أنصار الشريعة». وأخيرا، حملت الانتخابات الأخيرة مفاجأة غير سارة للإخوان، بما أن قائمتهم الحزبية انهزمت أمام قائمة تحالف القوى الوطنية، ولم يعد من المؤكد أن يحصلوا على دعم واسع من الشخصيات المستقلة (على رغم أن ذلك يبقى ممكناً)، بما يجعلهم يميلون أكثر فأكثر إلى ضمان السيطرة من طريق الميليشيات والسلاح.
أمام ليبيا حلاّن، إما تدخل ديبلوماسي قويّ للوساطة بين مختلف الأطراف الفاعلة والضغط عليها، وإما وعي قويّ من هذه الأطراف بأنّ البلد على حافة الهاوية ولا بدّ من استعادة مسار انتقالي سلمي. والحلان مستبعدان الآن، نظراً إلى استشراء العنف والفوضى.
|