|
لم تكن الوسائل تعوز الرئيس التونسي المخلوع بن علي في إدراك ما يحدث حوله. لكنه اضطر مع الهزيع الأخير لحكمه أن يصارح الشعب بأنه بات يفهم انشغالاته. أين كان قبل ذلك؟ الجواب يقدمه الرئيس بشار الأسد في توصيف ثورة السوريين بأنها أعمال عصابات إجرامية تنفذ مؤامرة خارجية. ليس يهم إن كان مقتنعا بهذا الطرح يلوذ إليه دفاعا عن نظامه الذي يواجه الانهيار. الأهم أن كلامه خلاصات التقارير والتحليلات التي توضع فوق مكتبه.
كان في وسع الاسد أن ينظر إلى الحقيقة من غير شرفة القصر الجمهوري فقط بقليل من الانفتاح والإصغاء. كان سيكتشف زيف تقارير الاستخبارات، خصوصا تلك التي يرتبط وجودها ودورها بصنع الخصوم والأعداء.
لو كان بن علي، وهو رجل استخبارات، يدرك أنه لا يقرأ ولا يسمع غير ما يريد أن يتصوره حقيقة، لما رأى حشود الشعب التونسي تزحف ضد نظامه إيذانا بنفاذ الصبر. إنها لمفارقة أن تكون الأنظمة العربية التي اهتزت تحت هدير غضب الشارع هي من كانت تشجع بقدرات استخباراتها على وضع جهاز تنصت في قلب كل مواطن، إذا أخفق البطين الأيسر اهتزت الأسلاك بالإنذار. وكي يشعر المواطن بسلطة الرعب، لا بأس من بضع سيارات ترابط أمام بيته لإحصاء الخطوات، وهي تدلف نحو بقال الحي.
لعله الراحل الحسن الثاني من قال يوما إنه لم يعد يطمئن حتى إلا الوسادة التي يضع عليها رأسه. فقد تعلم من محاولتين انقلابيتين على الأقل أن المخاطر تأتي من المقربين، وليس فقط من وجوه المعارضة المعروفة. وحين سئل يوما إن كان يولي اهتماما لتقارير الاستخبارات، رد بالقول إنه يقيم وزنا للعلاقات الخارجية، وفي الداخل يرصد نشرة الأحوال الجوية، لأن خبرا سيئا عن انحباس المطر أخطر من أي تقرير أمني. ومنذ عقود صرح الجنرال الفرنسي ليوتي حاكم المغرب إبان الاستعمار أن المطر يحكم البلاد.
لا يعني ذلك أن الزراعة وحدها مصدر الاستقرار، لكن الإيحاء الأكبر للمطر انه يهطل بالتساوي، بين الأحياء الراقية وهوامش المدن والمزارع المتناثرة. ومثله يفترض أن يكون العدل والأمن والكرامة، إذ لا تفرق بين غني وفقير.
في حكاية غير متداولة أن الجنرال محمد المذبوح، كبير الضباط المرافقين للحسن الثاني، جاء يوما الى العاهل المغربي لإبداء مخاوف حيال إحدى بناته. وبرر ذلك أنها ترتبط بعلاقات مع تنظيم يساري معارض. وتمنى على الملك الراحل أن يضعها تحت رقابة الاستخبارات، من خلال التصنت والمطاردة.
حدث ذلك في ايار (مايو) 1971، قبل أقل من شهرين على المحاولة الانقلابية الفاشلة في الصخيرات. وتنبه الحسن الثاني بعد نجاته إلى أن من جاء يطلب خدمة استخباراتية ضد نجلته كان يخطط لضربته القاضية. فقد كان يلوح باليد اليسرى لخطر غير قائم بينما كانت يده اليمنى على الزناد.
قد يأتي وقت يماط فيه اللثام عن أدوار جهات ولوبيات اطمأنت إليها الأنظمة العربية المتهالكة، وهي تعاند اتجاهات الريح. فالتاريخ الذي يكتبه المنتصرون لا تكتمل حلقاته، من دون الغوص في دهاليز الحكم السوداء، وأقربها طرح السؤال حول عجز أجهزة عن التكهن ببعض ما حدث ولماذا حدث. الخلل قائم بين أطراف معادلة لا تحتمل رؤية الحقيقة. لكن مخترعي لعبة مصارعة الثيران الإسبان أدركوا أن حجز الثيران في مناطق مظلمة لا يتسلل إليها شعاع النور أقرب طريق لجعل الثور الهائج يغرز السيف في رقبته كي يخور وسط تصفيقات هواة اللعبة.
كذلك كانت أنظمة تضع نظارات زاهية على عيونها. وحين سأل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عن حجم التظاهرات الشعبية في ساحة الميدان قيل له إنهم قلة تحركهم أيادي أجنبية. فكان مصيره الاستسلام إلى سرير غير ناعم أمام عيون كاميرات، كانت تغدق عليه أوصاف المدح والبطولة، فأصبحت تلتقط احتضار رجل مات قبل أن يتنحى.
في حكاية أخرى أن صحافيا مغربيا في وكالة رسمية كتب يوما أن الرئيس مبارك غادر الرباط مكرها. كان يزجي الوقت رفقة زميل في الوكالة. وأضاف كلمة الإكراه إلى الخبر، ثم ضغط سهوا على زر الإرسال. والنتيجة أنه أرغم مكرها على التوقيع على إفادات شملت قصة حياته. ولعله الآن أكثر اطمئنانا إلى أن مبارك غادر القصر الجمهوري في القاهرة مكرها تحت طلبات الشارع الملتهب.
|