الخميس ٢٦ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ١٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
هل رئيس الوزراء التركي مرشّح للقيادة في العالم السنّي؟ - محمد علي بيراند

أقع على السؤال نفسه في كل مكان تقريباً "هل يريد رئيس وزراء تركيا دخول النار من أجل غزّة مع ما قد يترتّب عن ذلك من خلاف أو حتى صدام مع إسرائيل؟ ما هو هدفه؟ هل لديه استراتيجيا ما في ذهنه؟ وفي هذه الحالة، ما هي؟"
لا شك في أن لديه خطّة ما. ويتّخذ القرارات بالاشتراك مع وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو. بيد أن رئيس الوزراء هو من سيقوم بالخطوات العملية. حسناً، إلامَ سيقود هذا كلّه؟
تكاد تركيا تتحدّى إسرائيل، فقد أعلنت أنها ستحشد سلاحها البحري، مما يزيد من الشكوك والمخاوف. وفي هذا الإطار تكثر التساؤلات "هل تسعى تركيا إلى خوض حرب مع إسرائيل؟ لماذا هذا التحدّي؟".


تتصدّر تركيا البلدان التي تدرك تماماً ما يعنيه خوض مواجهة مسلّحة مع إسرائيل. لا يخفى على أحد أن من يشنّ حرباً مع إسرائيل، يواجه واحدة من أعتى القوات الجوّية والبحرية في العالم، كما يضع نفسه أيضاً في المواجهة مع الولايات المتحدة.


الصدام مع إسرائيل ليس خطوة عقلانية، مهما بلغ جبروت القوّات المسلّحة التركية وقوّتها. فمن شأنه أن يقلب التوازنات الإقليمية والدولية رأساً على عقب.
ومن غير الوارد أن يقوم رئيس الوزراء التركي بهذه المجازفة لمجرّد الحصول على تأييد العالم العربي.
كل هذه الحسابات تؤخَذ في الاعتبار في أنقرة.
لا يستطيع أحد المجازفة بجرّ تركيا نحو مكان مجهول. فلماذا هذا الاستعجال إذاً؟ هل نثير حفيظة العالم بأسره فقط من أجل الانتقام للمواطنين التسعة الذين لقوا حتفهم في أسطول مرمرة؟ لا أظن ذلك. هل نسعى إلى إخافة إسرائيل كي ترفع الحصار عن غزة؟ إذا كان هذا ما نرمي إليه، فنحن نرتكب خطأ كبير.


غزة عار على جبين العرب
هل تريد تركيا أن تكون منقذة غزة؟ هل تضع نفسها في الواجهة لدفع إسرائيل إلى رفع الحصار عن غزة؟ ثمة حقيقة يجب أن نعرفها جيداً. حصار غزة، على غرار المسألة الفلسطينية، هو وصمة عار على جبين العرب.


يقول أردوغان إن الموقف التركي هو واجب إنساني، وهو ما تقتضيه العدالة. في الواقع، تعرف تركيا تماماً أن السبب وراء عدم التوصّل إلى حل للمسألة الفلسطينية واستمرار الحصار على غزة وإمعان إسرائيل في التصرّف مثل "طفل مدلّل" هو مشكلة محض عربية. ولذلك اختارت التنحّي جانباً قدر الإمكان طوال سنوات.
إذا لم يجد حصار غزة حلاً له حتى الآن، فالأسباب واضحة:
- الخلافات والمعارك الداخلية بين العرب، وغياب الكفاءة لديهم.
- الحسابات الاستراتيجية للقوى العظمى في المنطقة.
بصريح العبارة، الفلسطينيون هم ضحايا العرب.
يستعمل العرب المسألة الفلسطينية في كل الميادين تقريباً بدءاً من السعي إلى الحفاظ على مناصبهم وصولاً إلى النزاعات على النفوذ بينهم. باختصار، تستغلّ إسرائيل الدعم الأميركي والتردّد العربي.
يدرك رئيس الوزراء أردوغان ووزير الخارجية داود أوغلو تماماً انه لن يؤدي الى اي نتائج تقديم تركيا نفسها بأنها المنقِذ الذي يقول "دعوا الأمر لي، أستطيع أن أحلّه"، ودخولها ميداناً تُجرى فيه حسابات معقّدة جداً حيث تُنفَّذ ألعاب كبرى وتستمرّ المفاوضات حول توازنات القوى.
إذا كان الوضع على هذا النحو، فمن الواضح أنه يستحيل في الظروف الراهنة تركيع إسرائيل، فما الذي تبغيه تركيا من رفع صوتها واستعراض عضلاتها؟
هناك على الأرجح حسابات دقيقة أخرى.


هل هي القيادة السنّية في وجه إيران الشيعية؟
تتصدّر إيران الشيعية التي تستعدّ لتصبح قوّة نووية، قائمة المشكلات التي تتم مناقشتها خلف الكواليس في الشرق الأوسط وتُجرى مفاوضات عميقة ومتأنّية بشأنها.
كل دول الخليج، ولا سيما السعودية ومصر والأردن، خائفة. فهي تعتقد أن قوّة إيران الصاعدة ستشكّل تهديداً كبيراً لها في المستقبل القريب. يعرف حكّام هذه البلدان المهدَّدون في سلطاتهم في أي لحظة، حتى إذا تحوّل الربيع العربي نسيماً، أنهم لا يستطيعون مواجهة تهديد شيعي إلى جانب تطلّعات الشعوب إلى الديموقراطية.


من المعروف أنهم يريدون أن يستقطبوا تركيا إلى جانبهم من أجل تشكيل جبهة سنّية صلبة، وقد عبّروا عن هذه الرغبة مراراً وتكراراً إلى الثنائي أردوغان-داود أوغلو.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة أيضاً، إيران هي التهديد الأكبر في المنطقة.
تعتبر واشنطن أن إيران التي يزداد تأثيرها في العراق يوماً بعد يوم، ستثير عاصفة في المنطقة وتطيح كل التوازنات ما إن تحصل على الطاقة النووية. التهديد الإيراني هو أحد الأسباب الأساسية وراء الدرع الصاروخية التي تتشكّل الآن في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو) ويشمل الأراضي التركية.
تُصاغ كل السياسات بما يحول دون تشكّل تحالف شيعي.


كما أن مصدر القلق الأكبر لحكومة "حزب العدالة والتنمية" هو احتمال اندلاع نزاع سنّي-شيعي. ومن المعلوم أنها تستخدم نفوذها للحؤول دون وقوع مثل هذا النزاع.
يقودنا ذلك إلى طرح السؤال الآتي: هل تريد تركيا، من خلال اعتماد موقف متصلّب من إسرائيل، أن تجذب شعوب العالم السنّي إليها لتشكيل جبهة؟
هذا هو رأي العديد من الخبراء المتخصّصين في الشؤون التركية والإقليمية. فهم يعتبرون أن أنقرة تريد، من خلال سياستها الجديدة حيال إسرائيل، أن تولّد صورة أكثر تأثيراً في المنطقة. لا أحد يفسّر كلام رئيس الوزراء التركي بأنه تهديد لإسرائيل أو سعي للصدام معها.
تعتمد واشنطن التي تحمل مفاتيح هذه المسألة في يدها، سياسة مختلفة. فمن جهة، إنها مسرورة بتأدية تركيا دوراً في جبهة سنّية ضد إيران. ومن جهة أخرى، تريد أن يتضرّر ائتلاف نتنياهو-ليبرمان قليلاً ثم يتعافى، كما تتمنّى أن تبقي تركيا مواجهتها مع إسرائيل عند مستوى معيّن. تتبع الولايات المتحدة إذاً استراتيجيا مدروسة جداً.

 

("حرّييت" التركية ترجمة نسرين ناضر)



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة