|
مع تسخين لهجة الخطاب السياسي بين الثنائي الشيعي و «المستقبل»، اثر صدور وثائق جديدة عن «ويكيليكس» تُظهِر انعدام تأييد «حزب الله» حتى لدى حلفائه وضمنهم قيادة «أمل»، يبدو عديم الاحتمال مُجرَّد التفكير في تسوية لبنانية «تاريخية» أو حتى مرحلية. تسخينٌ يأتي في غير شروطه الزمنية كأنه استمرارٌ لما عناه انهيار اتفاق الدوحة و «السين سين» وحكومة الوفاق الوطني الحريرية. وهو انهيار أنجزه فريق 8 آذار لاعتقاده بإمكان تحقيق انتصار حاسم على خصمه الـ14 آذاري بسبب فائض القوة العسكرية والتحشيدية لقائده الفعلي «حزب الله»، ولما بدا من انتصار حلفائه الإقليميين على «المعتدلين» العرب ولقرار الحزب استباق المحكمة الدولية وأعمالها بتغيير في الحكم وعلى الأرض يجعل استمرارها غير ذي بال.
الإشكالية أن الحزب يبدو عبر التسخين الاعلامي كما لو أنه يُفكِّر اليوم كما وبما كان بإمكانه أن يفعل قبل انبثاق ثم تبلور الانتفاضة السورية وغلبة رمزيتها على المشهد السياسي العربي، متجاهلاً بذلك احتمال تدمير معبرٍ إلزامي ونظامٍ حليف ومجابهة شروط وجودٍ غير مسبوقة وغير آمنة.
إلاّ أنه سيكون تبسيطاً غير واقعي الاعتقاد أنه سينهار بين ليلة وضحاها. فالحزب تجاوز مرحلة النشأة المدعومة ثم الصعود المضبوط بالهيمنة الأمنية والسياسية للنظام السوري قبل انحلالها النظري، وانتقل خصوصاً بعد حرب تموز الى حافظٍ لآثارها وشخوصها ومُعيداً تأهيلها وتدويرها بقيادته ولصالح توازنٍ جديد بينه وبين الحليف القريب كما داخل الثلاثي الذي يقوده مركز «الثورة الاسلامية» الايراني في تحولاته الجهازية ما بعد الخمينية. فتبعيته للتمويل والتسليح الايرانيين وللمعبر والدعم السوريين لا تزال مهمة لكنها غدت نسبية. وثمة سببان آخران لعدم الاندفاع في القول بحتمية انهيار سريع للحزب:
الأول، لأنه ليس مُجرَّد مشروع اقليمي في لبنان على ما يقول البعض. فهو لم ينغرس بسبب «نسبه» الإيراني ومحموله التيولوجي المذهبي، بل لأنه التقى أساساً مع مصالح وتمثيلات الهوية الطائفية الفرعية المُزدادة فاعليةً بتحلُل المُشترَكات العامة والدولة والمشاريع السياسية العامة خلال الحروب المتناسلة وما تضمنته من تهجيرٍ واحتلال واجتياح ووصاية ومقاومة. والثاني، لأن سياسة سورية المستقبل من الحزب ستكتفي على الأرجح بإنهاء دعمها وتسهيلاتها الاستثنائية الفوق دولتية له دونما صدام عنفي معه، ضمن منظور إعادة بناء الدولة وسياستها الخارجية بما ينهي الممانعة الأسدية المخاتلة ونتائجها التفتيتية ويُوفِّر شروط بناء آليات ضغط عربية فاعلة على إسرائيل لإنهاء احتلالاتها وإقامة الدولة الفلسطينية.
وبالتالي فالحزب سيكون امام وضعٍ يُصعِّب شروط عمل تنظيمه العسكري ويُنقِص حجم الشرائح المرتبطة مداخيلها جزئياً او كلياً به. وهي وجهة تضعه على قدم المساواة مع تنظيمات أخرى سبق لمعظمها أن شهد أوضاعاً مماثلة. كما تتيح إضعاف العصبيات التي يستثيرها السلاح وهيمنته وتقليص غلبة الأحادية السياسية والاثنينية التنظيمية الشيعيين. ما يفرض على الحزب تحدِّي تعديل خطابه السياسي ويمنحه في الوقت نفسه فرصة إنهاء المعادلة القائلة إنه غير قابل جوهرياً للانخراط في «النظام اللبناني» على عكس «أمل» المنخرطة حتى العظم في تحاصصيته وتكراريته العقيمة. الأمر المرهون بدوره بتجاوزه للعبة التي اتقنها منذ نشأته والقاضية بتحويل الحرمان الاجتماعي والمناطقي والاحتلال إلى مظلومية مذهبية سياسية فاصلة للشيعة عن بقية اللبنانيين. وهي عملية بدأتها باعتدال وفي ظروف مختلفة حركة «امل» وحوّرتها الحركة الوطنية على طريقتها خلال الحروب المتناسلة عندما اعتمدت نظرية الطائفة - الطبقة.
في المحصلة ثمة توازن جديد بدأ ويستمر بالتشكل في غير صالح توطيد هيمنة الحزب بأشكالها المعتادة ومُزاوِجَتها بين التهويل بفائض القوة العسكرية والتحشيد الغرائزي وضد تفلُت تنظيمه العسكري وإسناده الاقليمي من أي ضبط دولتي. سيكون الأمر أقرب إلى عودة للتوازن وإرساءً للمشهد السياسي على أدوات وتمثيلات جديدة يفرضها «الربيع العربي»، وتنال بتأثيرها كل القوى السياسية في لبنان. توازنٌ لن يعني انهياراً طالما لا يتصدى الحزب لدفعه باستخدام مباشر وشامل للقوة ضد اللبنانيين الآخرين أو مُوارِِب عبر تفجير حرب إقليمية أو المشاركة في ما يُروِّج له النظام السوري من حرب أهلية تشمل البلدين ويعتقدها مُنقِذة لوجوده.
الإشكال اليوم أن الحوار الفعلي مستبعدٌ من القطبين، فيما تُلح التغيرات على تطلبه لمواكبتها وتأطيرها وإنهاء الانسداد الناجم عن هلهلة الدولة وحِدَّة الانقسامات الأهلية: حزب الله لأنه يتصرف و/أو يُحمَل من حلفائه الإقليميين على التصرف كما لو كان واثقاً بنجاة النظام السوري بما يعفيه، في اعتقاده، من أي حوار لا يؤدي إلى شرعنة هيمنته وانقلابيته ويتيح له استمرار خطابه التوتيري بتقديس السلاح ووضع أعضائه فوق القانون والقضاءين المحلي والدولي. والثاني يُفضِّل انتظار تحقُق العكس لمباشرة الحوار متذرِّعاً بيأسٍ راكمته التجارب الحوارية السلبية السابقة فيما «ينسى» أنه عقد مع هذا الحزب تحالفاً رباعياً وشكل معه حكومات عدّة، الأمر الأبعد أثراً من حوارٍ لم يغل يوماً بالأصفاد أطرافه.
يزيد المشكلة الرسميون الذين يتعاملون مع دعوة الحوار كما لو كانت تعويذة أو روتيناً يخفي طبخة حصى مهمتها تمديد وقت مُستقطَع من حرب مقيمة، أو - وهذا الأسوأ - أداة لتحويل عجزهم عن ممارسة وسطية حقيقية لا يملكون عناصرها وصفاتها إلى محاولة ضحلة لتمديد بقائهم الافتراضي. فتغدو السياسة سذاجة تجعل بقايا الدولة مجرَّد امتدادات للعصبيات الأهلية والقوى المهيمنة. النتيجة استئخار متجدِّد لاطلاق آلية حوارية تُشكِّل بداية بحثٍ في بناء اجماعات جديدة تنطلق من عودة التوازن ومن استنتاج أنه لا خيار غير الحوار وأن «الحلول» العنفية أسوأ من المشاكل والظاهرات التي تدعي حلَّها. وهي إجماعات كان ولا يزال مُفتَرَضاً بحركة 14 آذار تصورها واقتراحها فيما لو عادت إلى روحية البدايات. ولا يعني ذلك الامتناع عن نقد سياسة «حزب الله» ومسؤوليته كَحائزٍ وكمُستَخدِمٍ أول للسلاح خارج الدولة، بل تقديم مخارج له ولطائفة يلجأ اليوم إلى القول بأنها مُستهدَفَة باستهدافه. ولكن؟
* كاتب لبناني
|