الخميس ٢٦ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ١٥, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر: الحاجة إلى وقفة نقدية مع شباب الثورة - السيد يسين

فقدت "المليونيات" طابعها الثوري الاصيل والذي كان يعبّر عنه التوافق السياسي لجماعات الثورة المختلفة وذلك مع ظهور الانشقاق بين التيارات الدينية والتيارات الليبرالية وتوتر العلاقة مع الجيش.
هناك إجماع بين المفكرين والباحثين على أن الثورة –أي ثورة- هي ذروة الاحتجاج السياسي الموجه ضد الأنظمة الشمولية والسلطوية التي تمارس احتكار عملية صنع القرار، حين تكون في خدمة الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأهل السلطة وطبقة رجال الأعمال من الفاسدين، بالإضافة إلى تقييد الحريات العامة وقمع الجماهير، ومحاصرة كل المبادرات السياسية والاجتماعية التي تسعى إلى تحرير المجتمع من الأغلال التي تعوّق حركته.


ولو تأملنا دلالة الثورة المصرية التي قام بها الشباب يوم 25 يناير، والتحمت بها جموع الشعب المصري بكل فئاته الاجتماعية وأطيافه السياسية، لأدركنا صدقية ما ذكرناه من أنها في الواقع تمثل ذروة الاحتجاج الثوري ضد النظام السلطوي المصري السابق الذي قاده الرئيس السابق، محمد حسني مبارك وأعوانه من السياسيين الذين أفسدوا الحياة السياسية، ورجال الأعمال الذين نهبوا الثروة المصرية، ومثقفي السلطة الذين كانوا يبررون كل القرارات المنحرفة والفاسدة التي تصدر عنها.


وهذا الاحتجاج الثوري العنيف الذي أدى إلى إسقاط النظام وتنحية الرئيس السابق ثم محاكمته هو ورموز نظامه محاكمة علنية شهدتها الملايين، سبقت احتجاجات سياسية متعددة.
وتمثلت هذه الاحتجاجات في ظهور حركات سياسية جديدة قررت النزول إلى الشارع لتحريك الجماهير، بدلاً من النقاشات العقيمة داخل الغرف المغلقة، وعوضاً عن المساومات التي كانت تبرمها أحزاب المعارضة المستأنسة مع النظام السابق.


ليس ذلك فقط، بل ظهرت احتجاجات اجتماعية عنيفة قام بها العمال والموظفون مطالبين بحقوقهم الاقتصادية، والمالية المهدرة. ونجحت بعض هذه الاحتجاجات في إجبار الحكومة على الرضوخ لطلبات من قاموا بها.
كانت هذه الحركات السياسية والاحتجاجات الجماهيرية توجه ضرباتها العنيفة الموجهة الى دعائم الأسس الراسخة للنظام السلطوي، ثم جاءت ثورة 25 يناير لتقضي على النظام القديم بضربة حاسمة، بعد أن رفعت الشعار الذي ذاعت شهرته في أرجاء العالم من بعد "الشعب يريد إسقاط النظام".


غير أن الاحتجاج الثوري الذي مثلته ثورة 25 يناير لم يتوقف بعد حدوث الثورة، وذلك لأن هذه أول ثورة في التاريخ لم يتح فيها لمن قاموا بها أن يحكموا مباشرة.
فقد تولى إدارة شؤون البلاد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي كلف "عصام شرف" القادم من ميدان التحرير مسلحاً بشرعية الثورة تشكيل الوزارة.
لكن ذلك لم يكن نهاية المطاف، بل بداية سلسلة من الاحتجاجات الثورية التي لم تنقطع منذ قيام الثورة، والتي اتخذت شكل المظاهرات "المليونية" في ميدان التحرير أساساً، وفي غيره من ميادين العواصم الأخرى.


لماذا لم تتوقف موجات الاحتجاج الثوري بعد الثورة؟
الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى تأمل حالة الوعي الثوري لدى شباب الثورة، والتي تتمثل أساساً في السعي إلى تحقيق ديموقراطية مصرية غير مسبوقة.
وهذه الديموقراطية والتي تبدو أشبه بحلم بعيد المنال تقوم على أساسين: الأول هو التصميم الشعبي على المشاركة الفعالة في اتخاذ القرار، وذلك في حد ذاته يعد رفضاً للنموذج السلطوي القديم في احتكار عملية صنع القرار، والأساس الثاني هو الرقابة اليومية الدائمة على تنفيذ القرار.


بعبارة موجزة أرادت جموع شباب الثورة ممارسة نوع من الديموقراطية المباشرة من خلال تظاهرات ميدان التحرير، بحيث لا تعود السياسة وأمورها ليست مهمة مجموعة من رجال السياسة المحترفين سواء كانوا معينين أو منتخبين، وانما مهمة جموع الشعب، ممثلة بطلائعه الثورية الذين سبق لهم أن رفعوا شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وهكذا توالت "المليونيات" التي تعددت أسماؤها، وتنوعت شعاراتها من "جمعة الغضب" إلى جمعة "تصحيح المسار" وهو اسم آخر مليونية.
غير أن هذه "المليونيات" – من واقع الممارسة والرؤية النقدية- سرعان ما فقدت طابعها الثوري الأصيل، والذي كان يكشف عن التوافق السياسي لجماعات الثورة المختلفة على المطالب، فقد حدثت انشقاقات بين التيارات الدينية والتيارات الليبرالية.


وليس أدلّ على ذلك من أن المليونية الأخيرة قاطعتها التيارات الدينية. غير أنه أخطر من هذه الانشقاقات السياسية، تحول المظاهرات الثورية إلى عنف جماهيري جامح أصبح يهدد أسس الدولة ذاتها.
ولو نظرنا إلى المليونية الخيرة لاكتشفنا أن قادتها أعلنوا توجه التظاهرات إلى دار القضاء العالي للمطالبة باستقلال القضاء، وإلى السفارة الإسرائيلية للاحتجاج على وقائع حوادث الحدود ومصرع جنود مصريين، وإلى وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عمن قبض عليهم في حوادث مشجعي الكرة "الألتراس" والتي دارت فيها معارك شوارع عنيفة بينهم وبين قوات الأمن.


وهذا التخطيط الفوضوي كان – للأسف الشديد- المقدمة لأحداث العنف الجماهيري التي وقعت أمام السفارة الإسرائيلية، والتي سقط فيها من جراء المواجهة مع قوات الأمن أربعة قتلى وأكثر من ألف مصاب. وفي الوقت نفسه حاولت التظاهرة الأخرى التي توجهت إلى وزارة الداخلية اقتحام مبنى الوزارة، بعد نزع شعارات الشرطة من على الأبواب الخارجية، وحدثت أيضاً مواجهات دامية.


ومن الأسف أن عدداً من المثقفين والإعلاميين لم يستطيعوا أن يرتفعوا إلى مستوى نقد مخططات شباب الثورة في هذه المليونية التي انحرف مسارها بحق، كما عبرت عن ذلك جريدة "الشروق"، والتي كانت الوحيدة تقريباً التي اقتربت من الوصف الموضوعي لما حدث. لقد حاول هؤلاء الإعلاميون والمثقفون إلقاء اللوم ليس على الانحراف الواضح في التخطيط للاحتجاجات الثورية التي قام بها شباب الثورة والتي أدت بالضرورة إلى أحداث العنف الجماهيرية الدامية، وإنما على عاتق المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحكومة بقيادة عصام شرف.


لقد آن أوان المصارحة. فهذه التظاهرات "المليونية" التي يحتشد فيها مئات الآلاف لا يمكن أي قوة سياسية السيطرة عليها، أو وضع حد لجموحها وأفعالها المتطرفة، بل وسلوكها الذي ينحو إلى التخريب المتعمد ليس للمؤسسات العامة فقط، ولكن لقيم الثورة ذاتها والتي قامت لتحرير الوطن من الاستبداد، وليس لهدم أسس الدولة أو الهجوم غير المبرر على الأمن، أو محاولات التحرش بالجيش.
ومن هنا يمكن القول أن مسيرة الاحتجاجات الثورية أياً كانت شعاراتها ومطالبها المشروعة قد وصلت إلى منتهاها بعد أن تحولت إلى تظاهرات تنزع إلى التخريب شبه المتعمد للمؤسسات، والعدوان على قيم الثورة الأصيلة. وما ينبغي أن يدركه شباب الثورة ومن يقفون وراءهم من الإعلاميين والمثقفين أن السياسة لا يمكن أن تصنع في الشارع السياسي، لأن القرارات وخصوصاً ما يتعلق منها بالأمن القومي تخضع -في كل بلاد العالم- إلى ملاءمات وحسابات بالغة الدقة.


وهكذا فالاعتداء على السفارة الإسرائيلية هو عمل غير مسؤول، أصاب سمعة مصر الدولية باعتبارها عاجزة عن حماية السفارات الأجنبية، وهو التزام عالمي تحترمه كل الدول المعاصرة.
نحن بحاجة إلى وقفة نقدية مع شباب الثورة، لأن تطبيق قانون الطوارئ الذي أعلن عنه أخيراً لا يمكن أن يكون هو الحل، لأن الحل الحقيقي لا يمكن أن يتبلور إلا من خلال حوار جاد ومسؤول بين قوى الثورة الحقيقية وليس المزيفة، من هؤلاء الذين ركبوا موجتها وأصبحوا يديرون الحركة السياسية بعيداً عن أهداف الثورة الحقيقية.

 

(باحث مصري)



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة