الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
دواء ولكن من جنس الداء - جمال فهمي

على رغم أن محاكمة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، التي دخلت منذ أول من أمس مرحلة "الجد"، لا تزال تستقطب وتثير إهتماما شبقيا طاغيا لدى قطاع كاسح من الجمهور، فإن القوى والجماعات الناشطة حاليا على المسرح السياسي تبدو أقل إنشغالا بهذه المحاكمة، ولم تعد - كما قبل أسابيع - مهجوسة بمسارها والسيناريوات والاحتمالات المختلفة لنهايتها. والسبب أن الجميع دهمتهم مواعيد أول وأخطر استحقاق ذي علاقة بمستقبل البلاد بعد ثورة الشتاء العارمة التي خلعت مبارك وأطاحت نظامه، ألا وهو الانتخابات النيابية المنتظر أن يبدأ مشوارها (الطويل نسبيا) منتصف الشهر المقبل، من غير أن ينتهي حتى الساعة الجدل الحاد حول النظام الذي ستجرى على أساسه.


لقد تجاهل المجلس العسكري، الممسك بسلطتي الحكم والتشريع منذ سقوط مبارك، المطلب الوحيد الذي أجمعت عليه كل طوائف المشهد السياسي الراهن وتنوعاته، أي استبدال نظام الانتخاب بالقوائم النسبية غير المشروطة بنظام الدوائر الفردية القديم، إذ فاجأ المجلس كل السياسيين بمرسوم قانوني خلط بين النظامين وجعل انتخاب نصف أعضاء البرلمان وفقا لقواعد النظام الفردي والنصف الثاني بنظام القوائم، ومن ثم أعاد تركيب الدوائر وتعديلها تعديلا جذريا بما يلائم الخليط الجديد .


ومن المفارقات المدوية أن طرفي الصراع الكبير الذي يطبع ملامح المشهد السياسي المصري الراهن، الإسلاميين من جهة والقوى والتيارات السياسية المدنية والعلمانية من جهة أخرى، اتحدا ليس فقط في إعلان رفضهما لهذا النظام الانتخابي المستحدث، إنما توسل كل منهما الحجج وأسباب الرفض عينها، وأبرزها أن الطريقة الانتخابية الجديدة لن تفيد ولن يقدر على تعقيداتها إلا "فلول" حكم مبارك المتغلغلين في غابة العصبيات العائلية والجهوية المتحكمة الى حد كبير في الاتجاهات التصويتية لسكان المناطق الريفية بالذات، والمتمتعين - لا يزالون - بقدرات مالية ضخمة تسمح لهم بتحمل الكلفة الباهظة لحملات انتخابية في دوائر ضاعف النظام الجديد مساحتها.


طبعا حرقة شكوى القوى السياسية العلمانية من العبء المالي للطريقة الانتخابية الجديدة أعلى كثيرا من شكاوى الجماعات الدينية، ذلك أن هذه أغنى وأوسع ثراء بما لا يقارن بحال خصومها، وهي ملاحظة التقطها عضو بارز في المجلس العسكري خلال لقاء خاص جمعه - قبل أيام - وعددا محدودا من المثقفين والسياسيين. فقد قال الجنرال لضيوفه : تشكون من خطر أن تسفر نتائج الانتخابات المقبلة عن هيمنة التيارات الدينية على سلطة التشريع، فلماذا اذاً ترفضون نظاما إنتخابيا يُمَكن من تسمونهم "فلولاً" من هزيمة هذه التيارات؟!
رد أحدهم على الجنرال قائلا: أتقصد أنكم تعالجون الأمر على طريقة "وداوني بالتي كانت هي الداء"؟
قال: نعم...

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة