الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٦, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
أي مستقبل للصحافة المصرية؟ - ناثان ج. براون

اضطربت الصحافة الرسمية المصرية اثناء الثورة ثم أجرت عملية اعادة تموضع بين ليلة وضحاها، وها هي اليوم تصطف بحزم وراء قيادة الجيش. وكل ذلك لا يخفي انها تعيش ازمة انتقال محفوفة بالمخاطر على مؤسساتها والعاملين فيها.
لم تستردّ الصحافة القومية اعتبارها خلال الثورة المصرية. في الواقع، مع تعاظم الاحتجاجات، مالت الصحافة من جديد نحو دورها التقليدي، فأنكرت وجود أيّ اضطرابات وحذّرت في الوقت نفسه من خطر الفوضى في حال استمرارها؛ وألصقت بدوافع المعارضين ووطنيّتهم مجموعة متنوِّعة من التهم المتناقضة. ومع تداعي النظام، هرولت الصحافة القومية في اتجاهات عدّة في الوقت نفسه، فكانت تُشهِّر بالمتظاهرين يوماً وتقف على مسافة معيّنة من النظام في اليوم التالي.


وقد أثارت بعض المؤسّسات الإعلامية غضباً شديداً خلال الثورة (مع العلم بأن التلفزيون الرسمي كان محط الازدراء الأكبر). وفي بعض الوسائل الإعلامية الكبرى، تظاهر الموظّفون إما دعماً للثورة أو احتجاجاً على الفساد الذي يرونه في مؤسّساتهم.


بعد رحيل مبارك المفاجئ، أصبحت الصحافة القومية في وضع صعب، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى تفسير ما جرى. لكن المنشورات التي لم تعرف قط الخزي، لم تكتشفه فجأة، وأجرت بدلاً من ذلك إعادة تموضع بين ليلة وضحاها. ففي عددها الأول بعد رحيل مبارك، قرعت صحيفة "الأهرام" الطبول باعتزاز معلنةً انتصار الثورة؛ واحتفت في عنوان رئيسي أضحك المصريين على الأرجح أكثر مما أبكاهم، بالقضية التي كانت قد شجبتها في البداية "الشعب أسقط النظام!"، وهكذا فإن الصحافة القومية التي أضاعت بوصلتها لبعض الوقت في غياب رئيس تتزلّف إليه، تأرجحت لفترة قصيرة بين التملّق للثوّار والجيش قبل أن تندفع بحماسة وراء المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة، المجلس العسكري الذي يحكم البلاد موقّتاً. والآن باتت هذه الصحف تنتظر الإشارات السياسية من الجنرالات قبل أن تعلن الأخبار على الملأ. وبالفعل، مع انحسار الحماسة الثورية، اصطفّت الصحافة القومية بحزم أكبر وراء الجيش، في رد فعل ارتكاسي ربما، لكنها قد تكون أيضاً محاولة يائسة للعثور على راعٍ نافذ جديد ينقذها من الكارثة المالية والسياسية.


أزمة الصحافة القومية
حتى الآن، لم توفّر المناورات السياسية غير اللائقة إنما البارعة التي تقوم بها الصحافة القومية سوى حماية قصيرة الأمد لهذه الصحافة. لا تزال دور النشر ترزح إلى حد كبير تحت وطأة المشكلات التي كانت تعاني منها قبل الثورة. لا بل ازدادت هذه المشكلات حدّة بفعل القرارات السياسية والاقتصادية الراهنة، ويبدو أنه من غير الممكن الاستمرار في تجاهلها أو تأجيلها أكثر.


أولاً، كثر من المسؤولين الكبار في الصحافة القومية لديهم سمعة سياسية أو أخلاقية سيئة – أو الاثنان معاً. لقد أقيل عدد كبير من المسؤولين الأعلى مستوى المرتبطين بالنظام القديم، بيد أن الأشخاص الذين حلّوا مكانهم لم يوحوا جميعهم بثقة أكبر. فعندما مررت أمام نقابة الصحافيين (النقابة المهنية للصحافيين العاملين بدوام كامل في كل الوسائل الإعلامية والصحافية) في أواخر تموز الماضي مثلاً، رأيت لافتات وملصقات تندّد بالمسؤولين الجدد في "الجمهورية" و"دار المعارف" واصفةً إياهم بالفاسدين أو الشديدي الولاء للنظام المخلوع. وأنشأت مجموعة من الصحافيين أيضاً مركزاً صحافياً في ميدان التحرير، ونظّموا تظاهرات عدّة للمطالبة ب"تنظيف" الصحافة رافعين ملصقات تظهر عليها صور رؤسائهم. سمعت في نقاشات أجريتها مع شخصيات رفيعة المستوى في ثلاث دور نشر مصرية مملوكة من الدولة في تموز الماضي، وصفاً متشابهاً للوضع الراهن الذي رأوا فيه مرحلة انتقالية بين نظام قديم فاقد للصدقية ونظام صاعد مجهول. التحقيقات في تهم الفساد المختلفة ضد مسؤولين سابقين (وأحياناً حاليين) في الصحافة القومية مستمرّة ببطء شديد أو حتى متوقِّفة، مما يؤجّج مشاعر الغضب التي تعتمل في النفوس وربما يحرم المؤسّسات من الأموال التي هي بأمس الحاجة إليها لاستعادة عافيتها.


لكن حتى لو اكتسبت الصحافة القومية السيطرة على أي موجودات يُتَّهم رؤساؤها المطرودون باختلاسها، ستبقى في وضع اقتصادي صعب جداً. ليس واضحاً من سيرغب في قراءة الصحف المملوكة من الدولة المصرية في الأجواء الجديدة. تختلف الهشاشة إلى حد كبير بين صحيفة وأخرى. قد تكون صحيفة "الأهرام" الأكثر قابلية للحياة، على الأقل في المدى القصير. فإلى جانب التوزيع والإعلانات، تكسب أيضاً عائدات من مطبعتها (التي تُضطرّ معظم الصحف المعارضة والمستقلّة إلى استعمالها نظراً إلى قيود التراخيص المفروضة على المطابع الأخرى، وهو وضع قد لا يكون قابلاً للاستدامة سياسياً). وقد يتمكّن ناشرها أيضاً من التعويل على مكانتها التي تجعل منها الصحيفة الأوسع شهرة والأكثر مبيعاً لدى الهيئات الحكومية. بيد أن دور النشر الأخرى لا تملك هذا الرصيد المترسِّب.


تحتاج الصحف التي ترزح تحت وطأة الديون الكبيرة والتضخّم في أعداد الموظّفين وتواجه تراجعاً في نسب التوزيع، كما أنها مكشوفة سياسياً (مما يجعل من الصعب إنقاذها مالياً) – تحتاج إذاً إلى إعادة هيكلة جدّية. أو كما شرح صحافي بارز في "دار الهلال"، يجب إجراء إعادة هيكلة اقتصادية وسياسية على السواء. إعادة الهيكلة الاقتصادية ضرورية من أجل إعادة بناء مؤسّساتٍ توقف النزف في الأموال؛ وإعادة الهيكلة السياسية ضرورية لتعزيز المهنية ومنح الصحافة القومية الاستقلال الذاتي والصدقيّة اللتين تفتقر إليهما منذ أجيال.


المهمّتان شاقّتان. فإعادة الهيكلة الاقتصادية صعبة في بيئة إعلامية أكثر تنافسية، حيث تتزاحم الوسائل الإعلامية المصرية خلف عائدات إعلانية محدودة وربما جمهور متناقص من القرّاء. مع تمكّن الصحف المستقلّة من الاعتماد على الكتّاب والعمّال المستقلّين، وعلى عدد أقل من الموظّفين، وعلى داعمين أثرياء، على الصحافة القومية أن تجد طريقة ليس لاستجلاب الإيرادات وخفض التكاليف وحسب إنما أيضاً للخروج من ديونها الضخمة.


وإعادة الهيكلة السياسية صعبة أيضاً. فعلى صعيد عام جداً، ليس واضحاً ما هو الدور الذي يجب أن تؤدّيه الصحافة القومية (إن كان من دور لها) إذا فُكِّكت بعض أدوات النظام السلطوي. ولم ينطلق أيضاً نقاش وطني جدّي حول الموضوع بين المصريين الذين يواجهون أصلاً مجموعة كبيرة من المسائل الانتقالية التي يجب أن يتّخذوا قرارات بشأنها. وعلى صعيد أكثر عمليّة، الهيكليّتان اللتان تتبع إليهما الصحف القومية – وزارة الإعلام ومجلس الشورى – هما في مأزق سياسي. فقد تفتقر الصحافة القومية في مصر إلى القدرة على إجراء إعادة هيكلة بوجود موظّفين أكثر مشاكسةً وفي غياب الإشراف الواضح والصدقية السياسية والآلية الواضحة لإعادة البناء السياسي.


وثمة صعوبة واضحة للعيان لم يُبدِ أي من المسؤولين الذين تحدّثت معهم رغبة في مواجهتها: قد تسير إعادة الهيكلية الاقتصادية وإعادة الهيكلة السياسية في اتّجاهَين معاكسَين. تقتضي الأولى معالجة مشكلة القوّة العاملة المتضخّمة التي تتقاضى أجوراً متدنّية وتقدّم أداء دون المستوى المطلوب. أما الثانية فتقتضي تلبية مطالب الموظّفين – كقوّة معبّأة حديثاً ومصدر الإلهام الحقيقي الوحيد للإصلاح داخل المؤسّسات الصحافية. قد لا يكون من السهل خفض فاتورة الرواتب مع إعطاء الموظّفين رأياً أكبر في الشؤون الداخلية.


وقت القرارات واستشراف المرحلة المقبلة
ليس الطريق نحو الأمام واضحاً. بيد أن العديد من التطوّرات المقبلة ستزيده ضبابية على الأرجح.


أولاً، غالب الظن أن قضايا الفساد ضد المسؤولين الإعلاميين ستشقّ طريقها نحو الأمام، فتفضح شيئاً فشيئاً العفن داخل هذه المؤسّسات.


ثانياً، من شأن تململ الموظّفين – الذين التزموا الهدوء إلى حد كبير في الأشهر القليلة الماضية – أن يتجدّد بسهولة إذا لم يُستبدَل رؤساء التحرير الفاقدون صدقيتهم، أو لم تُدفَع الأجور، أو لم تسلك الإجراءات القضائية مسارها الطبيعي، أو استمرّت الإصلاحات في التعثّر.


ثالثاً، على الأرجح أن انتخابات نقابة الصحافيين المزمع إجراؤها الخريف المقبل سوف تسفر عن نقابة مهنية أكثر مشاكسة. في الماضي، كان يرأس النقابة عادةً شخص موالٍ بشدّة للنظام (على الرغم من أن مجلس النقابة كان يضم في معظم الأحيان شخصيّات مستقلّة ومعارضة). غالباً ما كان قادراً على التوسّط بهدوء بين شكاوى الصحافيين والنظام، فيسترضي في معظم الأحيان الصحافيين عبر الحصول على امتيازات ومنافع وتوزيعها عليهم. قد لا تعتمد القيادة الجديدة مثل هذه التقنيات اللطيفة أو تستوعب الأعضاء بهذه السهولة.


رابعاً، سوف يشكّل انتخاب مجلس شعب جديد عامل ضغط جديداً على من يسعون إلى الإصلاح، ولا سيما في الإطار القانوني الذي يحكم الصحافة الوطنية. ينفض الفاعلون بمختلف أنواعهم في مصر – القضاة والناشطون في مجال العمل وعلماء الدين – الغبار عن خططهم التشريعية، كي يسارعوا إلى مطالبة مجلس الشعب فور انتخابه بإقرار قوانين جديدة شاملة تحكم مجال عملهم في المجتمع المصري. والاحتمال كبير جداً بأن يكون الصحافيون لجوجين جداً في هذا الإطار. وهنا يمكن أن تتوزّع المطالب في اتّجاهَين مختلفين: فقد يطالب الصحافيون كمهنيين باستقلال ذاتي وحصانة من الوضع السياسي؛ وقد يطالبون كموظّفين حكوميين بحماية مواقعهم ورواتبهم.


أخيراً، سوف يكون على لجنة الدستور أن تتطرّق إلى مكانة الصحافة القومية وتجد بديلاً من الوضع الفوضوي السائد حالياً، هذا الأسلوب المرتجل والبدائي الذي استخدمه النظام للسيطرة على الصحافة في أعقاب الاشتراكية العربية في ستّينات القرن العشرين. فكرة إنشاء مجلس صحافي يكون مرتبطاً بمجلس الشورى، وهو ترتيب يعود إلى عهد السادات، غير منطقية في الأجواء السياسية والإعلامية الراهنة.


لكن أبعد من الاقتراحات المبهمة التي تدعو إلى تطبيق نموذج الـ"بي بي سي" على الإعلام المصري، لم تُقدَّم مقترحات تُذكَر من أجل إعادة الهيكلة السياسية.
لا تستطيع الصحافة القومية في مصر أن تستمر في العمل كما في السابق؛ فقد خسرت قاعدتها الاقتصادية والسياسية. بيد أن الطريق نحو الأمام ضبابي للغاية: هل ستفلس بعض دور النشر، أم هل ستستمر الحكومة في ضبط الإيقاع السياسي للصحافة، أم هل يمكن استنباط أنماط جديدة في العمل قابلة للحياة، أم هل ستسود روح استبدادية انتكاسية؟

 

(باحث في مركز كارنيغي ترجمة نسرين ناضر)

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة