الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٥, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
نحو مستقبل أكثر إشراقاً للجميع - أوكتافيا نصر

قالوا عنه أولاً إنه "مسلم" وكأنّ ذلك يجعله أقلّ قيمة أو فاعلية أو أقل شأناً من الطامحين الآخرين الى الرئاسة. ومع مرور الوقت، أطلقوا عليه مختلف النعوت، وشكّكوا في خبرته، وصوّروه قرداً، واستخفّوا بذكائه، واعتبروا أنه لا يتمتّع بكاريزما، وضمروا له السوء، حتى أن البعض دعا إلى اغتياله. وفي آخر محاولاتهم المفلسة لإحراج باراك أوباما، شكّك الجمهوريون في مكان ولادته، وها هم يشكّكون الآن في سجلاّته المدرسية.
وحدهم الأشخاص المولودون في الولايات المتحدة مؤهَّلون لتولّي الرئاسة.
كان على باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة، أن يثبت مسيحيّته ووطنيته وذكاءه وقدرته على إدارة بلد لأناس لا يكترثون لأيّ من هذا كلّه.


مشكلتهم منذ البداية هي أن باراك أوباما أسود! عوض اللجوء إلى أساليب رخيصة، كان الأجدى بهم أن يقولوا صراحةً "لا يمكننا أن نتقبّل أن يحكمنا رجل أسود، وسنفعل كل ما في وسعنا لإسقاطه بمختلف الطرق التي قد تخطر في بال الأكثر عتهاً بيننا. الموقّعون: البيرثرز (المشكّكون في مكان ولادة أوباما)، وأعضاء حزب الشاي، والأعضاء الصامتون في الحزب الجمهوري".
في رأيي، ان العنصرية في أميركا بلغت ذروتها. غضبتُ كثيراً يوم نشر البيت الأبيض الشهادة المفصّلة لولادة أوباما لإسكات المشكّكين والذين يشنّون هجمات مجحفة. وحمداً لله أنني لم أكن الوحيدة التي انتابها الغضب!


لقد غضبت لأن مجموعة من الأميركيين تشغل وقتها بتلفيق القصص والأكاذيب وحبك مؤامرات واهمة في رؤوسها وتنجح في تلقين رواياتها الخرافية لشعب جرى التلاعب كثيراً بـ"الحقائق" التي تُعرَض عليه إلى درجة أنه صار مخدَّراً ولا يأبه للتحقّق بنفسه.
لقد بثّ شخص مثل دونالد ترامب قادر على الوصول بسهولة إلى الإعلام، شائعات وأكاذيب بأن مكان ولادة أوباما ليس هاواي. ولا تزعج وسائل الإعلام نفسها للتحقّق من صحّة هذه المزاعم أو حتى التشكيك فيها. كانت الحجة الوحيدة لترامب "لن تصدّقوا ما يكتشفه المحقّقون الذين يعملون لحسابي في هاواي!" ينطوي هذا الكلام على إثارة كافية لتصدّقه أكثر وسائل الإعلام وتضخّمه وتغذّي مزيداً من الجدل حول الرئيس وخلفيّته.


ما يثير القلق في كل هذه التطورات هو أن بلدنا يغرق في عنصرّيته لكننا عاجزون عن مواجهة الأمر مباشرةً ومناقشته على الملأ. وبما أنني حصلت على الجنسية الأميركية وأعتزّ كثيراً بوطنيّتي، يقلقني أنه في إمكان مجموعة من الأشخاص أن تشوّه سمعتي وسمعة سواي إذا قرّرت أن تشنّ هجوماً أو إذا شنّت هجوماً بالفعل على المهاجرين أمثالي انطلاقاً من اعتبارات محض عنصرية.
ماذا عن أولادي والأجيال الأولى والثانية والثالثة العربية والمسلمة والآسيوية والأفريقية واللاتينية؟ كيف سيُعامَلون في المستقبل؟ ألن يُسمَح لنا بالمشاركة وممارسة تأثير في بلدنا ومستقبله؟ هل هذه هي قواعد اللعبة من الآن فصاعداً؟


حمداً لله أن أكثر من نصف سكّان هذا البلد ليسوا عنصريين، وإلا لما كان باراك أوباما رئيساً اليوم. تخضع الولايات المتحدة لاختبار مهم جداً الآن، ويجب أن تسود في النهاية أصوات الاعتدال والاتّزان والمنطق. يجب أن نركّز على إطلاق عجلة الاقتصاد من جديد. وعلينا أن نعيد بناء مكانة قويّة لنا في العالم، ونرأب العلاقات المتصدّعة، ونعزّز العلاقات القائمة ونبني تحالفات جديدة تدفع العالم الى الأمام عوض أن تجرّه إلى الخلف.
وجود باراك أوباما في سدّة الرئاسة أو عدم وجوده ليس مهماً بقدر استعادتنا لكرامتنا وتعاطفنا مع الآخرين وحبّنا لبلدنا قبل حبّنا للسياسة والأحزاب وأنفسنا.
يجدر بنا الآن أن نواصل السير نحو مستقبل أكثر إشراقاً للجميع ولا نكترث للضجيج الذي يحاول البعض إلهاءنا به.

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة