الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٥, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الواقع العربيّ بين "الانتفاضة" و"الثورة": مصر نموذجاً - صلاح أبوجوده

لا شكّ في أنّ روحًا ثوريّة مفاجئة أدّت إلى الانتفاضات الشعبيّة في أكثر من مجتمع عربيّ، بالرغم من خصوصيّات كلّ مجتمع من المجتمعات التي عاشت الانتفاضات ولا تزال تعيشها. واللافت أنّ منشأ هذه الروح الثوريّة مختلف كلّ الاختلاف عن منابع التيّارات القوميّة والدينيّة التي درجت على تعبئة الأوساط الشعبيّة العربيّة منذ عقود.

تتّضح ملامح الروح المفاجئة تلك من مصدرها: إشعال الشاب التونسيّ البوعزيزي النار في نفسه يوم الجمعة 17 كانون الأوّل 2010، احتجاجًا على مصادرة الشرطة عربة الفاكهة مصدر رزقه، وعدم الاكتراث بمراجعاته لاستردادها. على أنّ ما قام به البوعزيزي أيقظ التونسيّين فجأة ومن ثمّ باقي المجتمعات العربيّة، على السكينيّة السياسيّة التي كانوا يعيشونها والمألوفة في التاريخ العربيّ الإسلاميّ القديم والحديث على السواء. فلم تكن تلك الروح الثوريّة مجرّد ردّ فعل على سياسة الاقتصاد الريعيّ الاستعباديّ وحالات الظلم الاجتماعيّ التي سادت المجتمعات العربيّة. فلا يمكن حصرها بالبعد الاقتصاديّ الاجتماعيّ، مع أهميّة هذا البعد في أطر معيّنة تحوّل اقتصادُ الدول فيها إلى مزرعة خاصّة يستثمرها الرؤساء ومن يحيطون بهم، واستفحل فيها الفساد والبطالة والقمع وتزوير الانتخابات المتواتر وأحيانًا بطرق وقحة تعكس سخرية بالناس واستخفافًا بهم. ولا هي نتيجة خطاب أيديولوجيّ جهاديّ أو شعبويّ. بل هي تفجّر شعبيّ عفويّ شامل في وجه تفاقم السكينيّة السياسيّة المعاكسة لتطوّر الحياة المعاصرة المطبوعة بعمق بقيم الحداثة والديموقراطيّة. فلا عجب أن تكون الروح الثوريّة برزت بلا رأس موجّه لها، ولا قيادة توظّفها تبعًا لبرنامج ثوريّ. وفي هذا تكمن، في آن واحد، ميزة الحدث الإيجابيّة وعلامة ضعفه.


أمّا ميزته الإيجابيّة فهي أنّه حدث داخليّ صرف يدلّ على وعي متزايد لدى الشعوب العربيّة لرفض التغيير التجميليّ المراوغ، والتشديد على كرامة الفرد ومبدأ الانتخاب الحرّ لإنتاج نظام سياسيّ ذي شرعيّة وخاضع للمحاسبة، والاستعداد الجليّ لتجاوز المرجعيّات الدينيّة والسياسيّة التقليديّة المساندة للنظام القائم، وتنامي الروح النقديّة البنّاءة، والحرص على عدالة اجتماعيّة. ولعلّ الفضل الكبير في هذه التحوّلات يعود إلى ازدياد نسبة المتعلّمين وخصوصًا الشبيبة منهم، والانفتاح الثقافيّ بفضل وسائل الاتّصالات الحديثة ولا سيّما الإنترنت، والتأثّر بقيم الحداثة الغربيّة، جملة عوامل كوّنت الأرضيّة الصالحة لرفض الوضع الراهن.


وأمّا علامة الضعف فتتمثّل في غياب برنامج سياسيّ عمليّ يجسّد قيم الروح الثوريّة، الأمر الذي يجعل من الحدث "انتفاضة" أكثر منه "ثورة"، ويطرح أكثر من سؤال حول مصير الروح الثوريّة في ظلّ سعي القوى التقليديّة إلى توظيف نتائج الانتفاضات لمصلحتها، وعودة التدخّلات الخارجيّة الإقليميّة والدوليّة على السواء، بعد فترة ارتباك بسبب فجائيّة الحدث، مع ما تمثّله تلك التدخلات من تضارب مصالح. فهل ستخمد الروح الثوريّة وتُحوَّل الانتفاضات عن مسارها التحديثيّ الديموقراطيّ لتنتهي في موقع رجعيّ؟ يتوقّف الجواب على قدرة الذين عاشوا الروح الثوريّة التلقائيّة على تنظيم أنفسهم وترجمة شعاراتهم ببرامج سياسيّة واقتصاديّة وتربويّة تُبقي الشعلة حيّة. ولا بدّ لهذه المبادرة، التي لن تكون سهلة، من أن تجري ضمن خصوصيّات كلّ بلد من البلدان التي شهدت الانتفاضات وتشهدها.
نتوّقف الآن عند النموذج المصريّ لما لمصر من وزن فكريّ وديبلوماسيّ في العالم العربيّ. فإذا سارت مصر نحو الحداثة والديموقراطيّة، فتأثيرها سيكون في المستقبل كبيرًا على باقي الدول العربيّة.


النموذج المصري
ساد الانطباع في مصر، قبل الانتفاضة، أنّ التيّارات الإسلاميّة وفي طليعتها حركة الأخوان المسلمين المحظورة، هي رأس حربة معارضة النظام والأقوى شعبيًّا. فتأثير باقي الأحزاب التي بلغ عددها 23 حزبًا في الشارع المصريّ، من دون احتساب الحزب الوطنيّ الديموقراطيّ الحاكم وقتذاك، كان ضعيفًا حتّى أنّها نُعتت بـ"الدكاكين" أو "الأحزاب الكرتونيّة"، في وقت غرقت فيه الأحزاب التقليديّة الثلاثة المعروفة، الوفد والتجمّع والناصريّ، بسجالات داخليّة أضعفتها شعبيًّا وترافقت مع تضييق السلطة على تحرّكها. ثمّ برزت حركة "كفاية" التي تأسّست عام 2004 وضمّت عددًا من المحامين والسياسيّين والمثقفين وأساتذة الجامعات الذين عارضوا التجديد للرئيس حسني مبارك ومحاولات توريث ابنه جمال. ولكنّها لم تتحوّل إلى حزب سياسيّ، وبقي حضورها في المشهد السياسيّ متقطّعًا. ومن ثمّ ظهرت حركة 6 أبريل عام 2008، والتي مثّلت امتدادًا لنهج حركة "كفاية"، فدعت إلى حياة ديموقراطيّة وعدالة اجتماعيّة. أثارت هاتان الحركتان مجادلات في الحياة السياسيّة المصريّة، وتفوّقتا على الأحزاب المعارضة في قدرتهما على تحريك الخطاب السياسيّ، ولكنّهما بقيتا دون حجم "حركة الإخوان المسلمين" وقدرتها على تحريك الآلاف من مؤيّديها وأنصارها في أكثر من مكان في الوقت نفسه.


أمّا المفاجأة فكانت أنّ الدعوة إلى حركة 25 كانون الثاني أتت من الأوساط الشبابيّة ومنها "حركة 6 أبريل"، التي وجّه إليها المجلس الأعلى للقوات المسلحّة للمناسبة اتّهامًا بتحريض الشعب على المؤسّسة العسكريّة. واتّضح أنّ شعارات الديموقراطيّة والحريّة والعدالة الاجتماعيّة قادرة لا على تعبئة الجماهير أكثر من الخطاب الإسلاميّ فحسب، بل على إسقاط النظام نفسه أيضًا. ونتيجة هذا الواقع الجديد الفوريّة كانت تنبّه حركة الإخوان المسلمين وباقي التيّارات الإسلاميّة أنّها لا تمثّل غالبيّة المجتمع المصريّ الذي لم يرفع شعاراتها، وبالتالي اعتمدت موقفًا برغماتيًّا يماشي الوضع المستجدّ. فالتحقت بالانتفاضة واعتنقت شعاراتها وساهمت في تعزيز صمود المعتصمين في ميدان التحرير.


واللافت في أثناء الانتفاضة أيضًا تجاوز الخطاب الدينيّ الرسميّ، بصيغتَيه الإسلاميّة والمسيحيّة، المساند تقليديًّا السلطة. فتصريحات الأزهر الرسميّة هدفت بمجملها إلى وقف التظاهر، ولكنّ العديد من الأئمّة شاركوا فعليًّا في التظاهر والاعتصام. كما أنّ الشارع لم يولِ أي اهتمام لفتوى مفتي الديار المصريّة القاضية بعدم الخروج إلى الصلاة في ما سمّي حينذاك "جمعة الرحيل". ومن الناحية المسيحيّة، نزل غالبيّة الأقباط إلى الشارع على الرغم من دعوات البابا شنوده المتكرّرة إلى تحاشي التظاهر بل وعدم المشاركة فيها، وأصدر العديد من الأقباط مواقف ومقالات انتقدوا فيها موقف الكنيسة الرسميّ.


ولكن ماذا بعد؟ انتهت الانتفاضة عمليًّا مع تنحّي الرئيس مبارك وتسلّم المجلس العسكريّ مقاليد الحكم. وبدأت التحضيرات للانتخابات البرلمانيّة في أيلول المقبل في ظلّ انقسام متزايد في الساحة السياسيّة بين الإخوان المسلمين، الذين يبدون الأقوى لجهة تنظيمهم وقدرتهم على توظيف التغيير لمصلحتهم، والقوى المدنيّة التي بدأت تتشكّل بأحزاب لا تزال ضعيفة وتحتاج إلى وقت ليس بالقليل لتُنتج قياداتها وبرامجها وتجمع جماهيرها. فالإخوان المسلمون، الذين التحقوا بالحركة القائمة، ما لبثوا أن اعتمدوا خطابًا مزدوجًا يتأرجح بين المطالبة بالديموقراطيّة وحقوق الإنسان والدولة الدينيّة.


وبقدر ما يعبّر هذا الخطاب عن الصراع الإيديولوجيّ الذي يدور داخل الجماعة نفسها، فهو يولّد مخاوف لدى القوى المدنيّة التي رأى بعض ممثّليها أنّ ثمّة تفاهمًا جرى بين المجلس العسكريّ والإخوان برعاية سعوديّة بغية تهدئة الانتفاضة. وبرزت تلك المخاوف في وقت ألحّ فيه المجلس العسكريّ على إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستوريّة في آذار الفائت، بالرغم من طلب العديد من أوساط القوى المدنيّة تأجيل الاستفتاء إلى وقت لاحق بحيث تستطيع تنظيم نفسها، إضافة إلى المطالبة بإجراء الانتخابات الرئاسيّة قبل إجراء الانتخابات النيابيّة. غير أنّ الاستفتاء تمّ في موعده، وحصلت الموافقة على التعديلات على نسبة 77,2 في المئة. واللافت كان استخدام الإخوان والسلفيين على السواء المنابر الدينيّة لحضّ المواطنين على التصويت لمصلحة التعديل، بل ذهب بعضهم إلى تحريم التصويت بــ "كلا".


ومن ثمّ تحوّل الصراع السياسيّ إلى عمليّة ضغط على المجلس العسكريّ، أوّلاً، من طرف الإخوان المسلمين وحلفائهم لاحترام موعد الانتخابات النيابيّة، وقد سبق لهم أن أعلنوا عن رغبتهم بالحصول على ما يقارب 53 في المئة من مقاعد البرلمان، الأمر الذي سيسمح لهم بالحصول على أكبر عدد من الحقائب الوزاريّة والتحكّم بصنع القرار وإن لم يكن رئيس الجمهوريّة العتيد من صفوفهم؛ وثانيًا، من طرف القوى المدنيّة التي تريد تأجيل موعد الانتخابات لتستطيع تنظيم نفسها. ويأتي هذا الصراع في وقت يشتدّ فيه السجال على المادّة 60 من "الإعلان الدستوريّ الجديد" الذي أصدره المجلس العسكريّ في 30 آذار الماضي. تنصّ المادة المذكورة على التالي: "يجتمع الأعضاء غير المعيّنين لأول مجلسَي شعب وشورى في اجتماع مشترك، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، خلال ستة أشهر من انتخابهم، لانتخاب جمعيّة تأسيسيّة من مئة عضو، تتولّى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويُعرض المشروع، خلال خمسة عشر يومًا من إعداده، على الشعب لاستفتائه في شأنه، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء".


ولكن إذا احتلّ الإخوان، الذين يمثّلهم الآن حزب الحريّة والعدالة، غالبيّة مقاعد مجلسَي الشعب والشورى، فأيّ دستور سينتج عن الجمعيّة التأسيسيّة التي ستضعه؟ هل سيكون دستورًا إسلاميًّا أو مدنيًّا ديموقراطيًّا؟ هل خطاب الإخوان الديموقراطيّ مجرّد سلوك براغماتي أم هو اقتناع سيترجم ببرامج مدنيّة وتربويّة تنتج مع الوقت أجيالاً ديموقراطيّة؟ ليس من السهل الإجابة! ولكنّ الغموض الذي يكتنف المشهد يدفع القوى المدنيّة في اتّجاهَين: الأوّل، أن يُصدر المجلس العسكريّ مبادئ عامّة انطلاقًا من كلّ الوثائق التي قُدّمت بما فيها وثيقة الأزهر، تكون مثل معالم طريق للجنة التي ستؤلّف في أعقاب الانتخابات. وعلى ما يبدو وعد المجلس بإصدارها. والثاني، السعي لتأجيل الانتخابات بعض الوقت. غير أنّ الاتّجاهَين يلاقيان معارضة شديدة من قبل الإخوان.


من الواضح أنّ المشهد السياسيّ في مصر يمرّ بمرحلة بالغة الدقّة والخطورة، والروح الثوريّة تواجه تحديات كثيرة ليس أقلها الوضع الاقتصادي الضاغط الذي سيدفع الناس إلى اختيار أيّ مخرج يؤمّن لهم طعامهم، والوضع الدينيّ الحساس الذي يؤزّمه من حين إلى حين السلفيّون، والوقت الضيّق أمام القوى المدنيّة لتنظّم صفوفها. وفي الغالب، أمام هذا الواقع، يبدو أنّ الصيغة التركيّة القديمة ستفرض ذاتها، ألا وهي أن يبقى الجيش في موقع يسمح له بأن يلعب الدور الرئيسيّ في ضمان الاستقرار واتّخاذ القرارات الرئيسيّة، وهذا أمر لن يزعج المؤسّسة العسكريّة التي تملك، تبعًا لبعض الإحصاءات، ما لا يقلّ عن 30 في المئة من الاقتصاد.

 

(استاذ في جامعة القديس يوسف)



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة