الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ٢٥, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
نهاية "المثقف والجماهير" وصعود "الناشط السياسي" - السيد يسين

الثورة المصرية أسقطت – بين ما اسقطته – ليس فقط النظام السلطوي الفاسد ولكنها – ابعد من ذلك – اسقطت عددا من المفاهيم السائدة والأنظمة المعرفية التي يتبناها الباحثون.
دعتني الهيئة العامة للكتاب في مصر كي أرأس ندوة موضوعها "المثقف والجماهير"، وذلك في معرض الكتاب المنعقد حالياً في حي الهرم بالقاهرة.
وشارك في الندوة استاذا العلوم السياسية الدكتور عمرو حمزاوي والدكتور سيف عبد الفتاح.


وقد لفت نظري أن العنوان المقترح للندوة تقليدي، وينتمي للمشكلات التي أدمن المثقفون العرب مناقشتها والخلاف حولها طوال العقود الماضية.
ونحن نعرف أن هناك خلافات شتى دارت حول تعريف المثقف، كما أن تباينات في وجهات النظر دارت حول الجماهير. فهناك اتجاهات - يسارية في الغالب - كانت تنظر الى الجماهير نظرة مثالية فيها شيء من التقديس، باعتبار أن الاتجاهات التي تتبناها مثلها في ذلك مثل الأحكام القضائية والتي هي – بحسب التعبير السائد - عنوان الحقيقة! وهناك اتجاهات اخرى – تسود في الأوساط اليمينية غالباً - تنظر الى الجماهير نظرة سلبية، وتحذر من الغوغائية التي قد تتسم بها، واتجاهها لممارسة العنف في بعض الأحيان، وخصوصا في لحظات التوتر وأوقات الأزمات.


ومن ناحية اخرى تنافس الفكر العربي المعاصر حول تصنيفات شتى للمثقفين. فهناك "مثقف السلطة" الذي يبرر لها سياساتها حتى لو تعارضت مع مصالح الشعوب. وهناك "المثقف النقدي" الذي لا يتنازل- في تناوله للشأن العام- إطلاقاً عن وظيفته النقدية، وممارسته للنقد الاجتماعي المسؤول الذي لا يتواني عن تشخيص الأخطاء وإعطائها التكييف الصحيح. وهناك أخيراً وقد يكون أولا "المثقف العضوي"- لو استخدمنا تعبير المفكر السياسي الإيطالى "انطونيو غرامشي" - وهو الذي يلتحم بالجماهير ويعبر عن تطلعاتها ومطالبها المشروعة.
طافت بذهني كل هذه الأفكار حين طالعت عنوان الندوة "المثقف والجماهير". ولذلك قلت في كلمتي الافتتاحية للندوة التي حضرها جمهور غفير أنني أحس أن هذا العنوان ينتمي الى ما قبل ثورة 25 يناير!


وقصدت بذلك أن الثورة أسقطت - بين ما أسقطته - ليس فقط النظام السلطوي المصري الفاسد، ولكنها - أبعد من ذلك - أسقطت عدداً من المفاهيم السائدة والأنظمة المعرفية التي يتبناها الباحثون.
ولذلك علينا إن أردنا - أن نناقش هذا الموضوع - أن نستخدم مصطلح "الناشط السياسي" بدلاً من مصطلح المثقف، ومصطلح "الحشود الجماهيرية"، بدلاً من مصطلح الجماهير.
ومصطلح الناشط السياسي صعد صعوداً ملحوظاً في العقدين الأخيرين في مصر، مرافقاً في ذلك صعود مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام، والمؤسسات الحقوقية التي تعني بحقوق الإنسان بشكل خاص.
فقد نشأت فئة من المناضلين السياسيين الذين قد لا ينطبق عليهم بالضرورة تعريف المثقف التقليدي، والذي كان ينصرف أساساً الى كل من يعنى بالشأن العام، ولكن يركز على الشخص باعتباره رجل فعل في المقام الأول، وليس بالضرورة أن يكون منظراً، أو ينتمي الى أية أيديولوجية محددة.


وهو كرجل فعل قد يمارس دوره النقدي أساساً بالنزول الى الشارع احتجاجاً علي الأوضاع السلبية السياسية والاجتماعية، مطالباً بالحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.
وقد برز دور فئة الناشطين السياسيين في مصر خصوصاً بعد نشأة حركات الاحتجاج الشبابية، وأهمها حركة "كفاية" وحركة "6 أبريل" وغيرها.
واستطاعت هذه الحركات المحتجة أن تحرك بحيرة السياسة الراكدة في مصر، من خلال مواجهتها الجسورة والمباشرة للنظام الاستبدادي، مقررة أنه آن أوان التغيير، وأن النظام وصل الى منتهاه، ودقت ساعة تداول السلطة، كما أنها عارضت مشروع التوريث، والذي كان يسعى الى تحويل النظام الجمهوري الى نظاماً ملكياً!


وهكذا تزايد عدد الناشطين السياسيين الذين تميزوا عن أجيال المثقفين القدامى في الخمسينات والستينات والسبعينات، بإتقانهم لغة التواصل الاجتماعي الحديث. وهكذا دخلوا دائرة الفضاء المعلوماتي الرحبة، الذي استخدموه في الحشد الجماهيري للقيام بتظاهرات وإضرابات. وأصبحنا أمام ظاهرة جديدة في عالم السياسة العربية في الواقع. وهذه الظاهرة تتمثل في أن عدداً محدوداً من الناشطين السياسيين أصبحت لديهم القدرة على توجيه الحشود الجماهيرية التي تقدر بالآلاف لكي تمارس المعارضة السياسية الإيجابية، ليس في اجتماعات الأحزاب المغلقة ولا على صفحات الصحف المعارضة، ولكن في الشارع مباشرة مهددة بذلك هيمنة النظام الاستبدادي، وبدون خوف من آليات القمع السياسي الذي تصاعدت وتيرته في السنوات الأخيرة.


ومن هنا يمكن القول إن الحشود الجماهيرية في التظاهرات والإضرابات والحركات الاحتجاجية والتي نجحت في ليّ يد السلطة حتى خضعت لتحقيق مطالبها، كانت في الواقع، لو استخدمنا اللغة العسكرية- "تتطعم" في معارك الشوارع، وكأنها تتعمد بالنيران استعداداً للمعركة الكبري.
وهكذا يمكن النظر الى الحركات المعارضة التي قادها الناشطون السياسيون المصريون خلال السنوات الماضية، والى الحشود الجماهيرية التي نزلت مراراً الى الشوارع وأحست بقوتها الكامنة، ونزعت عن نفسها مشاعر الخوف، أنها كانت أشبه بتجارب ثورية استعداداً للثورة الشاملة.


وفي 25 يناير والذي كان العيد القومي للشرطة، دعت طلائع الثوار على صفحات "الفيس بوك" الجماهير للنزول الى ميدان التحرير احتجاجاً علي سياسات القمع، وبدأت الساحة تمتلئ بالتدريج بالمئات ثم بالآلاف ثم بعشرات الآلاف وسرعان ما تحولت التظاهرة الاحتجاجية إلى ثورة شاملة تصاعدت مطالباتها، وفي الوقت نفسه زادت معدلات تنازلات النظام، الى أن وصلت الثورة الى ذروتها، وتصاعد شعارها الأساسي الذي أصبح هو شعار كل الثورات العربية "الشعب يريد إسقاط النظام"، ووصل التصاعد الى حدّ المطالبة برحيل رئيس الجمهورية وتنحيه عن السلطة.
وهكذا تحول المثقفون التقليديون القابعون أحياناً في أبراجهم ناشطين سياسيين يحركون المجتمع من الشارع، وتغيرت سلبية الجماهير بعدما تحوّلت حشوداً جماهيرية قادرة على هدم النظم السلطوية، والسعي الثوري لإقامة نظم سياسية بديلة، مؤسسة على الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والحفاظ على الكرامة الإنسانية!

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة