الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ٢٣, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الأردن: التعديلات الدستورية خطوة أولى - مروان المعشر

راوحت ردود الفعل على التعديلات الدستورية التي اقترحتها لجنة عيّنها الملك عبدالله الثاني في الأردن بين طرفَي
نقيض: فقد رحّب بها البعض معتبرين أنها تشكّل قفزة
نوعيّة إلى الأمام فيما رفضها البعض الآخر معتبرين أنها شكليّة فحسب.
لا يزال على هذه التعديلات أن تمرّ عبر الآلية التشريعية قبل إقرارها، بيد أن الطريقة الصحيحة لقراءتها واستكشاف مغزاها هي في فهم السياق الأوسع. هل تشكّل خطوة أولى في خريطة طريق أكبر بكثير تقود إلى الفصل الكامل للسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية؟ هل ستعيد التعديلات توزيع هذه السلطات (فتعزّز السلطتَين الأوليين وتخفّف من صلاحيات السلطة الثالثة)؟ أم أنها تمثّل نهاية الطريق بالنسبة إلى العملية الإصلاحية السياسية في الأردن؟ تساعد الإجابة بوضوح عن هذه الأسئلة في الحكم على الإجراءات بطريقة أكثر موضوعية وأقل أيديولوجية.
لا شك في أن عدداً كبيراً من التعديلات يلبّي مطالب تنادي بها المجموعات الإصلاحية والجمهور العريض منذ وقت طويل. تشمل بعض التعديلات الكبرى المقترَحة:


■ إنشاء محكمة دستورية لمراقبة دستوريّة القوانين والتنظيمات. تحلّ المحكمة الدستورية مكان محكمة عليا متخصّصة في تفسير هذه القوانين كان يرأسها رئيس مجلس الشيوخ، ولم تكن تتمتّع، في نظر الغالبية الساحقة، باستقلال كامل.


■ إنشاء لجنة مستقلّة للإشراف على الانتخابات بدلاً من وزارة الداخلية التي كانت مسؤولة قبلاً عن العملية الانتخابية. وبموجب التعديلات، تُرفَع كل الطعون الانتخابية إلى القضاء بدلاً من البرلمان.


■ تعزيز الحرّيات المدنية، بما في ذلك اعتبار أي انتهاك للحقوق والحرّيات العامة أو لحرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة؛ وحظر التعذيب بمختلف أشكاله؛ والإعلان بأن كل أشكال التواصل بين المواطنين يجب أن تُعامَل على أنها سرّية وألاّ تخضع للرقابة أو التعليق أو المصادرة إلا بموجب أمر قضائي.


■ الحدّ من قدرة الحكومة على إصدار قوانين موقّتة عندما لا يكون هناك برلمان، الأمر الذي كانت الحكومات تمارسه على هواها في الماضي.


■ حصر صلاحيات محكمة أمن الدولة بالنظر في قضايا الخيانة العظمى، والتجسّس، والإرهاب، أما في القضايا الأخرى، فيُحاكَم المدنيون في محاكم مدنية؛ ويشمل هذا الإجراء الوزراء الذين حوكِموا سابقاً أمام محكمة عليا برلمانية.


■ الحد من قدرة الحكومة على حل البرلمان من دون أن تستقيل بنفسها.


بيد أن التعديلات لم ترقَ إلى مستوى العديد من الإجراءات الأخرى. فما عدا الحد من قدرة الملك على إرجاء الانتخابات إلى ما لا نهاية، ظلّت صلاحياته كما هي. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أنه من الصعب تغيير الممارسة على الفور من دون برلمان مستند إلى الأحزاب، لا يزال الملك يُعيّن رئيس الوزراء ومجلس الأعيان ويقيلهما. وناقشت اللجنة الدستورية أيضاً إضافة الجندر إلى قائمة فئات القوانين التي يُمنَع التمييز فيها، لكنها اختارت إبقاءه خارج القائمة لأسباب دينية وسياسية. أخيراً، فُرِضَت قيود على دور الأجهزة الأمنية في الشؤون السياسية للبلاد من خلال بعض التعديلات، لكنه لم يُكبَح في شكل كامل.
على الرغم من ذلك، تشكّل التعديلات خطوة أولى مهمّة، وخضوعها للآلية الدستورية بعد أسابيع قليلة هو أمر إيجابي. فهذا يشير إلى أن الدستور سيشهد أوّل تعديل كبير وأساسي له منذ إقراره عام 1952.


يجب أن تُستتبَع هذه التعديلات بعملية إصلاحية أكثر اكتمالاً ومأسسة وشمولاً وقابلية للقياس تُقدِّم رؤية سياسية واقتصادية أوسع نطاقاً لمستقبل الأردن. ويجب أن تتضمّن العملية إطاراً زمنياً لتشكيل الحكومات بحسب الأكثرية البرلمانية، ولتكليف رئيس هذه الأكثرية رئاسة الوزراء. لن يتحقّق ذلك إلا عندما تحظى الأحزاب السياسية بفرصة للتنظّم والحصول على تمثيل في البرلمان. فعلى سبيل المثال، تشكّل التعديلات المقترحة للقانون الانتخابي تحسيناً متواضعاً للقانون الحالي، لكنّها لن تقود إلى برلمانات مستندة إلى الأحزاب السياسية في المستقبل المنظور.


التحدّي الملح الآخر هو التدابير التي يتعيّن على النظام اتّخاذها في الفترة الانتقالية إلى حين نضوج مشهد سياسي قوامه الأحزاب، الأمر الذي قد يتطلّب سنوات عدّة. تتّسع الهوّة بين النظام والشعب بسبب المسائل الملحّة: زيادة متصوّرة في مستوى الفساد وغياب الجدّية في التعاطي معها؛ الحاجة إلى تطبيق سيادة القانون بعدل وإنصاف؛ تدخّل الأجهزة الاستخبارية المستمرّ في الجوانب غير الأمنية للحياة السياسية في البلاد ومقاومتها للجهود الإصلاحية؛ والحاجة إلى آلية مختلفة لاختيار رؤساء وزارات وحكومات يتمتّعون بصدقيّة أكبر إلى أن يصبح بالإمكان اتّخاذ ذلك الخيار عبر ممثلّين منتخَبين. في انتظار ظهور حكومات خاضعة للمساءلة الكاملة، يقع الجزء الأكبر من العبء في قيادة تلك العمليّة على الملك. يتعيّن عليه أن يساعد على سد ثغرة الصدقية الموجودة الآن.


تركت زيارة قمت بها منذ فترة قصيرة إلى الأردن اقتناعاً لديّ بأن السكّان – بمختلف طبقاتهم الإتنية والاجتماعية وعلى تنوّع تطلّعاتهم السياسية والاقتصادية – يدعمون بقوّة قيادة الملك لتلك العملية. لكنهم يتوقّعون أن تكون أكثر جدّية وتقود إلى نتائج ملموسة، بدلاً من عيش تجربة أخرى حيث تبقى الوعود في معظمها مجرّد حبر على ورق. يبدو الملك مدركاً تماماً للتحدّي، على الرغم من أنه يعي أن عليه مواجهة القوى الكثيرة التي تنشط في العمل ضد التغيير وتسعى إلى الحفاظ على الاستاتيكو – وهي قوى تنتمي في معظمها إلى النخبة السياسية والقواعد الناخبة التقليدية للنظام.

 

(وزير خارجية الأردن سابقاً ترجمة نسرين ناضر)



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
العاهل الأردني يكلف لجنة للإصلاح... ويتعهد تبني توصياتها ومنع التدخلات
الأردن: 18 موقوفاً بتهمة محاولة زعزعة استقرار البلاد في قضية «الفتنة»
مجلس النواب الأردني يقر موازنة البلاد بالأغلبية
العاهل الأردني: ليس مقبولاً خسارة أي مواطن نتيجة الإهمال
الأردن: توقيف 5 مسؤولين بعد وفاة مرضى بكورونا جراء انقطاع الأكسجين
مقالات ذات صلة
مئوية الشيخ المناضل كايد مفلح عبيدات
الأزمة اللبنانية والتجربة الأردنية - مروان المعشر
انتفاضة نيسان 1989: أين كنا وكيف أصبحنا ؟
حقوق المراة الاردنية 2019 - سليمان صويص
يوميات حياة تشهق أنفاسها في البحر الميت - موسى برهومة
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة