|
صدقاً، وبعيداً من السجال السياسيّ، بات على "حزب الله" أن يحسب الأمور على نحو آخر كي لا يحترق البلد كلّه على نحو أو آخر. فكلّ صاحب مشروع يقدم على وضع حساب بالأرباح والخسائر، وبنقاط القوّة ونقاط الضعف، قبل الإقدام على مشروعه، أو الاستمرار فيه.
هذا السلوك هو الذي يقي صاحبه الانتحار، ويقي بلده الانتحار كذلك.
وفي هذا المعنى، فإنّ "حزب الله" اليوم في صراع مع "المجتمع الدوليّ" بسبب القرار الظنّيّ وموضوع تسليم المتّهمين، وهو ماضٍ في صراعه الدائم مع إسرائيل والقوى التي تدعم إسرائيل، وفي صراع غير مسبوق من حيث الحدّة مع طائفة لبنانيّة كبرى ومع شرائح كبرى في طوائف أخرى، فيما علاقاته سيّئة مع العالم العربيّ السنّيّ، ومع بلدان في أفريقيا وفي أميركا اللاتينيّة.
في المقابل، فإنّ داعمه الأساسيّ والمباشر، أي النظام السوريّ، بات مشغولاً بهمّه، غير قادر على دعمه، فيما حليفه الكبير الثاني، أي النظام الإيرانيّ، لا يستطيع الوصول إلى لبنان من دون الجسر السوريّ، وهذا فضلاً عن متاعب سياسيّة واقتصاديّة تحدّ أصلاً من قدرة هذا النظام على الدعم. فوق هذا، فإنّ إمارة قطر التي تولّت جزءاً أساسيًّا من الرعاية ومن تمويل ما هدّمته الحرب في تمّوز 2006 باتت في وارد آخر. وهذا ما حرم "حزب الله" وحلفاءه الصوت الإعلاميّ الضخم والمؤثّر الذي كانت توفّره "قناة الجزيرة" القطريّة. يضاف إلى هذا أنّ من المستبعد أن يكون سكّان الجنوب اللبنانيّ، الذين عانوا ما عانوه حتّى الآن، مستعدّين لتكبّد الآثار التي قد تترتّب على خيارات راديكاليّة أو نضاليّة كبرى.
إنّها ليست على الإطلاق أوضاعاً ملائمة لصاحبها، وأيّ طرف سياسيّ لا يجري مثل هذه الحسابات، ولا يراجع، يكون يرتكب حماقة بحقّ نفسه وبحقّ سواه. لهذا يُستحسن بالأصوات الأهدأ في الطائفة الشيعيّة أن تعلو مُحاورةً "حزب الله"، ليس من باب المناكدة ولا للمنافسة، بل للتوكيد على ضرورة المراجعة التي لا يستطيع الاستثمار في الاستقطاب الطائفيّ الالتفاف عليها. والمطالبة نفسها تصحّ في القوى السياسيّة غير الشيعيّة، بما فيها المواقع الرئاسيّة والقوى التي تربطها بالحزب خصومة معروفة. فهذه فرصة للقوى المذكورة كي تعلو على صغائر السياسات وترتفع إلى سويّة إعادة هندسة السلام الأهليّ.
هذه أدوار أساسيّة ومطلوبة كلّها، وبإلحاح. إلاّ أنّها كلّها تبقى بلا نفع إن كان الحزب لا يزال على مزاجه الذي عبّرت عنه الخطبة الأخيرة لأمينه العامّ!
|