الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ١٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
يحدث في غابة المتناقضات - جمال فهمي

يبدو صعبا الآن على البعض أن يغامر ويخمن كيف سيجد المصريون الطريق إلى مستقبل رسمت هتافاتهم للحرية والديموقراطية والعدالة صورته المبهرة أيام اشتعال ثورتهم الشتاء الماضي، وكيف سيمرون اليه وسط كل هذه التعقيدات والعقبات التي تكشفت أمام عيونهم رويدا رويدا منذ نجحوا في أسقاط حسني مبارك وإنهاء حكمه الديكتاتوري الطويل.
غير أن كثيرين لا تزال لديهم القدرة على ممارسة التفاؤل العلني، معظمهم يستند إلى الأماني والأحلام الخام وحدها وأقلهم مسلحون بوعي وثقافة يسمحان لهم بالقول إن الثورة تتحرك في مسار متعرج وبطيء فعلا، لكنها تمضي في الاتجاه الصحيح، وتلك هي طبيعة الأشياء وقدر الثورات الشعبية التي تندلع من غير قيادة ولا تنظيم ولا قوة غير قوة الغضب المحبوس في الصدور، كما تتفجر من قلب واقع ذهب بعيدا في الجمود والتصحر السياسي.


ومع ذلك، فالذين تسرب القلق والخوف إلى نفوسهم ليسوا قلة قليلة، بل قطاع لا بأس به لم تمكنه بساطته ومحدودية خبرته وثقافته السياسية من فهم الحالة الملتبسة والمعقدة التي يعيشها المجتمع المصري حاليا.
هؤلاء البسطاء ليس من السهل أن تجد من يشرح لهم ويقنعهم بأن الصراعات والتناقضات وتقاطعات مصالح القوى المختلفة، تلك التي تصنع مشهد الفوضى الراهن، كلها أمور عادية وقد تفتح تفاعلاتها هي عينها ثغرات في جدار الواقع القائم بما يسمح بمرور أشياء وأهداف كان يبدو مرورها مترنحا بين الصعوبة والاستحالة.


ولعل الدليل البليغ على صحة هذا الزعم أن المجلس العسكري، الممسك بزمام الأمور في البلاد حاليا، بدا أخيرا وقد تخلى فجأة عن نهجه المتحفظ والمرتبك، إذ أرسل الأسبوع الماضي اشارات لا تخطئها عين تشي بأنه على وشك أن يحسم بنفسه الصراع الدائر الآن حول الهوية والطبيعة المستقبلية للحكم والدولة في مصر، وهل تكون دولة وحكما دينيا على النحو الذي صارت تجاهر به جماعات الاسلام السياسي، أم يبقيان مدنيين ويتوجان بقيم الحرية والديموقراطية كما تطالب كل تنوعات النخب المصرية من اليمين إلى اليسار؟!


لقد سرب العسكر ما يؤكد أنهم سيفرضون قريبا خيار الدولة العصرية من خلال إصدار مرسوم يتضمن مبادئ دستورية أساسية ملزمة للجنة التي سيختارها البرلمان كي تصوغ دستوراً جديداً للبلاد. أما لماذا حسم المجلس العسكري أمره، فالاجابة تبدو راقدة في تقاطع تحفظات واشنطن وضغوطها (التي لم تعد خافية) مع الأنباء الخطرة التي توالت أخيرا من شبه جزيرة سيناء عن إنشاء جماعات ضخمة من الاسلاميين نواة "إمارة" أو دولة موازية للدولة المركزية.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة