الأحد ٢٩ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ١١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
العرب في ظل جيرانهم - هشام ملحم

احدى اهم السمات الاساسية للسياسة العربية في السنوات الاخيرة هي ضعف القيادات الفعالة. الرجال الأقوياء الذين قادوا العالم العربي منذ خمسينات القرن الماضي، وتحديدا الضباط الذين حكموا بالحديد والنار، تركوا وراءهم ارضا يبابا، تفتقر الى المؤسسات السياسية، ومجتمعات مدنية مقهورة، وتخلفا اقتصاديا، ونخبا سياسية ممسوخة. سجلّ هؤلاء الحكام يتلخص في كوارث وطنية وحروب اهلية في العراق وسوريا وليبيا واليمن والجزائر والسودان، او كساد سياسي واقتصادي واجتماعي في مصر والاردن وتونس. دول الخليج العربية افلتت من الازمات الاقتصادية بفضل مواردها النفطية، وتفادت، احيانا بصعوبة كبيرة، الكوارث السياسية حين لفّت نفسها بغطاء رقيق من الشرعية السياسية الناجمة عن تحالفات دينية-قبلية-عائلية قديمة.


ضعف القيادات العربية يبدو صارخا في اخفاقها في التصدي لعدوانية اسرائيل التي تشن حروبها عليهم دونما ثمن كبير، وهي تواصل استعمار الضفة الغربية والجولان، او في التصدي لنظام ايراني متسلط مصمم على الاضطلاع بالدور الرئيسي في صوغ مستقبل العراق ولبنان وسوريا، او في الوقوف امام نفوذ تركيا الصاعدة والعائدة بطموحاتها السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية الى المشرق العربي الذي كان جزءا من الامبراطورية العثمانية. كل ما فعلته الدول العربية في العقود الاخيرة هو الرد – القاصر بشكل عام- على مبادرات اسرائيل وايران وتركيا واجراءاتها وانتهاكاتها واعتداءاتها.


اليوم، مصر التي فقدت الكثير من اهميتها كقوة اقليمية، تمر في مرحلة انتقالية صعبة تفرض عليها التركيز على الداخل. العراق، يواصل بلسمة جروحه العميقة، في ظل نظام سياسي هش تتلاعب به ايران. وفي سوريا، النظام المحاصر بمطالب الاصلاح والديموقراطية، يرد على شعبه بالحديد والنار ويدفع بالبلاد الى جحيم الحرب الاهلية. السعودية، تجد نفسها في موقع دفاعي، مستاءة من حليفتها الولايات المتحدة لانها ليست متشددة ما فيه الكفاية مع ايران واسرائيل. حتى لو نجحت انتفاضات "الربيع العربي" ووضعت دولا مثل مصر وسوريا على طريق الاصلاح الحقيقي، سوف تبقى هذه الدول لسنوات طويلة مشغولة بإعادة بناء مؤسساتها ولن تكون قادرة على الاضطلاع بأدوار قيادية اقليمية.


في 1965 نشر باتريك سيل كتابه الكلاسيكي "الصراع على سوريا" وحلل فيه بحنكة التنافس الحاد بين عراق الهاشميين ومصر عبد الناصر على قيادة العالم العربي، وصراعهما للسيطرة على سوريا انطلاقا من مقولة من يسيطر على سوريا او يكسب ودها يحكم العالم العربي. المفارقة اليوم هي ان الدولتين اللتين تتصارعان على سوريا غير عربيتين: تركيا وايران. المفارقة الاخرى هي ان العراق نفسه لم يعد لاعبا بل ساحة مكشوفة تتصارع فيها ايران وتركيا ايضا لصوغ مستقبله... ومن بعيد تراقب مصر بصمت مطبق.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة