|
شكلت الذكرى الحالية، بعقودها الستة المنصرمة، لاغتيال الديموقراطية في مصر في 23 تموز 1952، مناسبة للخوض في فضاءات ومتون الالتباسات الكبرى التي ظلّلت امكان حسن الرؤية وجودة التقدير، المرتبطة بوجوب الاقرار بضرورة الاهتمام، بقضايا الحرية والعدالة والسيادة والاستقلال ومبدأ تقرير المصير، والتي ظلت ولفترة طويلة أسيرة للتفسيرات وللتقويمات، التي صيغت نتيجة لسيطرة واستتباب الامر "لثورة" يوليو 1952، التي منعت عبر سطوتها وعبر مصادرتها للعقول والافكار، وبفعل عقود من الدعاية و"التثقيف" السياسي، اصحاب الرأي الآخر ممن اطلق عليهم لقب مثقفي اليمين، من الادلاء بما لديهم من التعبير عن آرائهم، في ما خص هذه القضايا، وفي ما اتصل بتلك المسائل من فهم خاطئ، وادراك مبتسر ارتبط بوعي الشعوب العربية، التي اختزلت امالها وتطلعاتها واراداتها الحرة والواعية، بمفردة الجماهير المؤطرة والمؤدلجة. لقد مثلت مؤسسة المدارس الوطنية والتقدمية، دور الحاضن للعسكريتاريا العربية، ولليسار التقدمي والقومي العربي وللاسلام السياسي، فمهدت بذلك، لمرحلة الاقامة في الكهوف السياسية وشرانق الجهل، فعملت على تشجيع ادمان الشكوى والافتتان بتمثيل دور الضحية، عبر اجترار الاوهام، وعبر قهر الذات والآخر، وممارسة القمع وادعاء النطق نيابة عن المكتوين بنار المظلومية، فخلقت صوامع التهويم والهلوسات الثقافية، ومارست الهدم بعناوين للبناء، مفسحة المجال لبروز جدران التخلف، التي منعت ولا تزال العقل العربي من الانتصار في معركة النفاق والخداع الثوري، والكذب التقدمي وعمليات السطو والمصادرة للافكار، التي يشنها ممتهنو الديماغوجيا والسفسطة، على كيانات الشعوب العربية وأنظمتها الثابتة والمستقرة.
بنت مدارس اليسار التقدمي على مدى العقود الاربعة الماضية، عمارتها الايديولوجية المركبة، على اتهام مردود لطالما وجه الى من خالف تعريفها الضيق لمفهوم ثنائية العمالة والوطنية، ولمتوالية التحرر الوطني والاستعمار، فتوسلت في سبيل تأكيد توجهاتها، الى ارتكاب فعل خداع الذات والآخر، فاعادت اسباب التأخر الى "الاستعمار والامبريالية"، والى الفئات المرتبطة بهما، وتعامت عن استعراض تجارب اليسار واليمين ونتائج ومردودات هذه التجارب، والتي لم تكن حتماً في مصلحة اليسار، فاهملت وعن قصد، كشف حقيقة المسؤول عن استدعاء الآخر المستعمر، وعن حقيقة تنفيذ اجندات الخارج، محاولة تنمية عقدة ذنب غير موجودة لا واقعاً ولا افتراضاً، لدى شريحة عظمى لا تؤمن بمنطق التغيير الثوري المرتكز الى القوة والبطش.
يعاني العالم العربي اليوم، من سلبيات سيادة مرحلة توارث الاضداد، والتي يعبر عنها راهناً، بائتلاف المتنافرين وبتحالف المنهزمين، وباتفاقهم، وعلى الرغم من الاختلاف البين، على الاشتراك في مهمة المصادرة والاستلاب، بغية الفوز في معركة الافكار التي تستهدف تسطيح وقولبة العقل العربي، وبغية تمويه الحقائق وتتفيه المنطق وتسييد "الوقائع" غير الواقعية، بهدف تفريغ القواعد والنظم والقوانين والاعراف المستقرة من محتوياتها، لتمسي المفاهيم والقيم والمسلمات البديهية، التي تتصل بقضايا الحرية والانسان في موضع الشبهة.
يتجلى الثقب الاسود الذي يلتهم اليوم قضايانا الوطنية، بعدما كان قد التهم بالامس أفكارنا، بهذا المخلوق الاغريقي الهجين المثلث الرأس، الناتج عن مركب العسكريتاريا العربية المفتتنة بالفاشية، واليسار العربي الذي لا يخفي اعجابه "برأسمالية متوحشة"، يسعى لوراثتها، والاسلام السياسي "العربي" المتورط بعلاقة محرمة غير شرعية مع شيوعية بائدة، تتم بانضمامها الى هذا المسخ الهجين بأضلاعه المثلثة، خطة الاجهاز على مطلب العدالة في لبنان، وعلى مرامي الطموح الى كشف الحقائق المضمرة، التي تفسر أسباب استعار المحرقتين العراقية والمصرية، واستمرار غموض أحجية المأساة الفلسطينية.
كاتب
|