|
منذ مدّة غير قصيرة، لكن في الشهور القليلة المنصرمة على وجه التحديد، يبدو واضحاً أكثر فأكثر أنّ لدى "حزب الله" خياراً "مستهيناً" بالعلاقة مع السنّة اللبنانيين، وبالنتائج المترتّبة على هذا الخيار في مدارات مختلفة.
خلال السنوات الماضية، أنشأ "حزب الله" مجموعات سنّية هامشيّة تدين له بالولاء، وأعادَ إلى "الساحة" مجموعات معادية للحريريّة "وتيار المستقبل".. في أحياء معيّنة في بيروت وفي بعض الأماكن على الخارطة اللبنانيّة. ويمكنُ القول إنّ "حزب الله" إشتغل خلال الفترة على تشكيل "سنّته" تمويلاً وإعداداً. غير أنّه في موازاة هذا الأمر، إستبقى نوعاً من الحرص على العلاقة بالرئيس سعد الحريري، أي حرصَ على عدم الذهاب بإتجاه تفجير هذه العلاقة "كليًّا" وعلى "إدارة" هذه العلاقة بما يحول دون فتنة شيعية – سنية كما كان الحزب يزعم.
بيدَ أن هذا "المنهج" شهد تغيّرات أساسيّة مؤخراً.
فهو يعرف أنّ "سنّة حزب الله"، الذين فبركهم أو الذين أحياهم وهم رميم، لم يغيّروا المعادلات في البيئة السنيّة، وإكتفوا بأن يكونوا مجرّد أبواق مسعورة له، فإنتقل إلى قيادة الحملة مباشرة أي بنفسه على الحريري و"المستقبل" وتمثيلهما.
أخذ "حزب الله" لنفسه حقّ تقرير من يمكنه أن يمثّل السنّة في النظام السياسيّ ولو كان من قرّره لتمثيل السنّة لا يساوي حيثيّة فعليّة، وراحَ يقرّر من يشغل – أو من يحقّ له أن يشغل – مواقع السنّة في الدولة ألخ.
على خطورة هذا "المنهج" في حدّ ذاته، فإنّ الأخطر قطعاً هو تعاطي "حزب الله" مع مسألة المحكمة الدوليّة وما يترتّب عنها.
في هذا المجال، لم يكتفِ "حزب الله" بموقفه المعادي للعدالة في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري بزعم أنّها تستهدف ما يسمّى "المقاومة"، لكنّه أدار ظهره لـ"مظلوميّة" الرئيس الشهيد ورفاقه، ورفض أن يقوم بمبادرة من أيّ نوع تجاه هذه المظلوميّة، كما رفض مبادرة "المصالحة والمسامحة" التي كان الرئيس سعد الحريري مستعدًّا للسير فيها. وأكثر من ذلك، فإنّ "حزب الله" وبعد صدور القرار الإتهامي الأوّل الذي يتّهم أربعة أفراد من الحزب، سارعَ إلى رفع المتهمين بتنفيذ جريمة إغتيال رفيق الحريري إلى مرتبة "المقدّس"، كأنّه يقول للرئيس سعد الحريري وجمهوره وللبيئة السنيّة عموماً إنّ من يمكن أن يكون قد قتل رفيق الحريري، أو من يمكن أن يثبت بالمحاكمة أنّه قتل رفيق الحريري زعيم السنّة اللبنانيين، هو مقدّس، فتصبح جريمة الإغتيال وفقاً لهذا "المنعطف" عملاً مقدساً من أعمال "المقاومة المقدّسة"!.
إنّ مجموع هذه التصرّفات من جانب "حزب الله" لا يعني – في القراءة المنطقيّة – إلاّ أنّ الحزب يستدرجُ تطرفاً سنياً بالفعل، ولذلك تفسير أيضاً. فـ"حزب الله" ليس قادراً – بالرغم من فائض القوة المتزامن مع فائض في سوء التقدير السياسيّ – على حشد جمهوره في مواجهة أو معركة مع الحريري وتيّاره المعتدل. فالشيعة بمن فيهم الذين يساندون "حزب الله" لا يرون ولا يمكن أن يروا في الحريري وإعتداله "عدوًّا" أو "خصماً".. في الأصل لا يشكّل الحريري وتيّاره ما يخيف الشيعة، لا في الطرح ولا في "القوة" الماديّة – أو القتاليّة – ولذلك فإنّ ما يفعله "حزب الله" في هذه الآونة هوَ توليد تطرّف سنيّ. ولا تخرج الحملة المنظّمة التي يقودُها "حزب الله" على الحريري وتيّاره وفريقه ونهجه، عن هذا السياق، سياق الدفع بإتجاه توليد خصم سنيّ أصوليّ متطرّف له. وهذا ما ستتضّح أهدافه في السطور اللاحقة.
في سياق متّصل أو غير بعيد، يمكن ملاحظة أنّ النظام السوريّ الغارق في أزمته، يعمل هو أيضاً على إستدراج تطرّف أصوليّ إسلاميّ (سنّي) بل هو أعلن أنّ هذا التطرّف موجود بالفعل. وذلك ما يعنيه تماماً زعمه، منذ إندلاع الثورة السوريّة منتصف آذار الماضي، أنّ ثمّة جماعات سلفيّة بتنظيمات مسلّحة تقاتل ضدّه في شتّى المناطق في سوريّا!.
لقد أثبتت وقائع الأسابيع والشهور الماضية كذب تلك المزاعم والإدعاءات "على الأرض". غير أنّ النظام المتلّمس لحتميّة سقوطه، قرّر على ما يبدو خياراً من إثنين. إمّا تأخير سقوطه عبر إصطناع عدوّ داخلي "غير شكل" ليبرّر دمويته ومحاولة كسر الحصار عليه. وإمّا أن يجعل من سقوط النظام موازياً لسقوط سوريّا ككّل أي تدميرها عبر حرب أهليّة.
ذلك أنّ إعتراف النظام بأن لا تطرّف أصولياً إسلامياً وبأن لا سنّة مصاصي دماء في بلاده، يعني أن يذهبَ بإتجاه التنحّي بشكل طبيعيّ وسلس، أو أن يقبل في الحدّ الادنى بمرحلة إنتقاليّة ما تُفضي إلى رحيله.
إذاً، إنّ إستدراج تطرّف إسلاميّ (سنيّ) في سوريّا هوَ إستدراجٌ لحرب أهليّة يأمل النظام منها إغراق أزمته في بحر الحرب الأهليّة، أي إنّ هذا الإستدراج جزء من أزمة النظام وتعبير عنها. والإعتدال المعبّر عن نفسه برفض الإستفزازات والحرص على الوحدة الوطنيّة، هو ما يزعج نظام الأسد ويزيد جنونه وقمعه الدموي.
والأمر نفسه في ما يتعلّق بـ"حزب الله" (سبحان الله، مسارٌ جنونيّ واحد!).
فالحزب يستدرج تطرّفاً أصولياً، بل يريد وجوده، ويتطلّع إلى إلغاء الإعتدال الإسلاميّ، وهو مستعدّ للعب "في" الهاوية، تبريراً لدوره (وسلاحه). وهو يفعل ذلك وهو مأزوم. ولا يسترُ تأزمّه إختراع أسباب مضافة لإستمرار سلاحه، كأن يجعل من نفسه "حامياً" لإقتصاد البلد ومصالح اللبنانيين!. وهنا أيضاً، فإنّ إعترافه بالإعتدال الإسلاميّ الذي يمثله الرئيس سعد الحريري، كانَ ليكون مؤشراً إلى إستعداده لمقاربة هادئة للمرحلة المقبلة لكنّه يعلنُ العكس.
الخطير إذاً أنّ مشروع إلغاء الإعتدال يصبّ في الفتنة. غير أنّ "حزب الله" غبيّ لأنّه في أوج أزمته يجّن بدلاً من أن يتعقّل.
سعد الحريري ضمانة للإعتدال في لبنان.. إذاً هو ضمانةٌ لعلاقات طبيعيّة بين الطوائف.. وللشراكة اللبنانيّة.
وسعد الحريري زعيم الإعتدال.. هو ضمانةٌ للإعتدال ونهجه في سوريّا أيضاً.
وهذه مناسبة للتذكير بأنّ سبباً رئيسياً لإغتيال رفيق الحريري، يعود إلى كونه مثّل زعامةَ للسنّة في المنطقة العربيّة. وهو إغتيل في فترة كانت "الممانعة" لا تزال ممسكةً بأوراق معيّنة. هذا في حين أنّ محاولة إلغاء إعتدال سعد الحريري وإستدعاء تطرّف أصوليّ يحصلان في زمن إنهيار "محور الممانعة".. الذي يقاتل مذعوراً مجنوناً وقد خسر كلّ "قضيّة"!.
|