الأثنين ١٨ - ٥ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ٢٢, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
عن الزهو والقلق والحوار - طارق متري

لا يخفى على متابع او متلقّ لطوفان الكلام ميل الى الزهو عند فئة من الساسة الشركاء في الحكم ولدى انصارهم. ويظهر هذا الميل على نحو سافر حينا ويختبئ وراء التبرّم من المعارضة حينا آخر. ومبعث الزهو الأول اجتماع القوة والسلطة في يد واحدة بعد افتراق بينهما لسنين عدة. ويعزّزه عند البعض، ممّن درج على الاستعانة بقوة سواه او الخضوع لها، شعور بالقدرة على الانجاز الحكومي بفعل تجانس في الحكومة مفترض أو بدافع الظن او الايحاء الذاتي ان مشكلات الماضي القريب واخفاقاته تعود الى فشل المشاركة السياسية السابقة ونزوعها الى التسوية. ولا تحرج اصحاب الشعور بالقدرة على اتخاذ القرارات اليوم والمضي في تنفيذها نظرياتهم بالأمس حول الديموقراطية التوافقية ومطالباتهم وممارساتهم المزدوجة في السلطة وضدّها في آن واحد. ولا يغيب شيء من الزهو، ثالثاً، عن سلوك الواثقين ببراعتهم في التكيّف واسترضاء من يحسن استرضاؤه او يتيسّر، من طريق اعلان النيات الطيبة وازدواج الكلام والتباس المواقف، والاعتقاد ان الدول التي كانوا يتهيّبون ضغوطها لن تقسو عليهم، تفهّما او تساهلا او تعبا او انصرافا عن قضايا لبنان برمتها الى ما هو أخطر منها وأجدر بالاهتمام.


غير ان الزهو، ايا كان من تنوع اسبابه، قد لا يبدّد عند المتمتّعين به، ولو الى حين، الشعور بهشاشة التوازنات الداخلية والقلق من استمرار تغيّر الأحوال في المنطقة، ولا سيما في سوريا، وتأثيراته على لبنان. والقلق هذا يتعدّى، في حقيقة الأمر، التوجس من احتمالات التبدل في موازين القوى والتحالفات الاقليمية الى خشية سقوط الثنائيات، واولاها ثنائية الممانعة والمؤامرة، والتي تحكمت بحياتنا السياسية، آراء وممارسات، وجعلت بلدنا لسنوات طويلة ساحة نفوذ وأرض منازلة. ففكرة الممانعة الناظمة للمواقف الكبيرة، والتي كثيرا ما لبستها الحسابات الصغيرة، فقدت من الجاذبية والصدقية ممّا يضعف إمكان التذرّع بها في القمع والتخويف والتخوين. اما المؤامرة المتعددة الوجه فلم تعد جليّة المقاصد والسياسات. فالمتآمرون في "معسكر الشر" الغربي واصحاب المشروع المعادي حائرون مرة ومتقلبون مرة أخرى في تعاملهم مع حركات التغيير العربي. وتأثيرهم، كما يعرف العارفون، محدود في الحالين.


ولعل القلق الذي يرافق تشوّش المعايير في الحكم على ما يجري في العالم العربي وادراك معانيه، بعيدا من الثنائيات القديمة، صنو الحذر المتوتّر بل العداء الصريح ضد كل متعاطف على الصعيد الأخلاقي او متضامن على الصعيد السياسي مع فئات واسعة من الشعب السوري. ربما كان في بعض القلق هذا الكثير من النكران. وكأن لبنان الذي كان، قبل تسارع تحوله ملعبا للصراعات، فسحة حرية وتفاعل ثقافي في العالم العربي ومختبر افكار وتجارب سياسية، يستطيع ان يعيش في غربة عن التطلع الى الحرية في البلاد الشقيقة. وكأن شعبه غير معني باعلاء كرامة الفرد الى جانب الكرامة الوطنية، فلا تكون الواحدة بديلا عن الأخرى. وكأن اللبنانيين قد أغلق عليهم في ثنائيات الأغلبية والأقليات الى حد لا يعيرون فيه انتباههم الى احترام حقوق الانسان والى السعي الى المشاركة الديموقراطية والى الانعتاق من أسر الأيديولوجيات. وكأن اللبنانيين لا يرون كسواهم ان طريقا فتح ويتعذّر الرجوع فيه، على رغم وعورته وتعدد مساربه. وكأن التغيير في العالم العربي لاعلاقة له بفرصة متاحة امام اقدار لبنان على الخروج من محنة النزاعات الداخلية والخارجية وعصبياتها المدمّرة، وعلى النهوض بعيدا من العنف والتهديد به ومن المماحكة والخناقة ومن غلبة منطق القوة على احترام الحق.


غني عن القول ان اسباب القلق لا تقتصر على انفعال لبنان بأحداث المنطقة. فهي تتّصل ايضا بأوضاع الداخل الشائكة وحدّة انقساماته حول العدالة والتسالم وشفاء الذاكرة والمصالحة. ولكنها، مهما عظمت، لا تضعف الزهو أو تستعجل نهايته. فلمشاعر الزهو محرّكات عميقة بعمق مثيرات القلق، ايا كان من التفاوت في اهميتها الفعلية وتأثيراتها. وتستقي تلك المشاعر من وعي للذات يرى في الوصول الى السلطة استثمارا كبيرا للقوة وضمانا للحفاظ عليها او يحسبها استعادة لحقوق مسلوبة. والقول بالحقوق المستعادة هو الوجه الآخر للظفر بالغنيمة وهو أقوى المشاعر وأكثرها فجاجة. والحديث عن حقوق بعض القوى السياسية، والطوائف، على الدولة يطغى على حقوق المواطنين وحق الدولة، مشروعا في صيرورة حتى قيام دولة الحق. والقول بالحقوق الفئوية، لدى تلك القوى الحزبية ونفر من الساسة السابقين والطامحين الى وجاهة جديدة او متجدّدة في طوائفهم، كثيرا ما ينزلق الى منطق الدولة - الغنيمة على حساب دولة المواطنة. ويكاد يكون تورية لسعي هذه الفئة من الساسة وراء الغنيمة في طوائفها، وان بذريعة الدفاع عنها. وبطبيعة الحال، يغيب عن خطاب الحقوق الذي نسمعه مردّدا كل يوم كل تفكّر في مصائر اللبنانيين المترابطة وفي أدوارهم التاريخية واوضاعهم المعاصرة وفي ميزات بلدهم وأدواره في العالم العربي وما يمتحنها من صعوبات. ويغيب عنه ايضا ردم الهوة الكبيرة بين الفكرة الوطنية والخصوصيات الطائفية التي اثخنتها الحروب والمخاوف، وتجاوز انواع من الخلافات يعاد اختراعها كل يوم كي لا تترك مجالاً كافياً للائتلاف حول أهداف أو توجهات هي بطبيعتها عصيّة على المحاصّـة بين الطوائف. ويعيق الزهو، كما القلق، وعيا بالمواطنة لا ينفصل عن الوعي الديموقراطي. ويضع الاثنين معا على المحك، كما في التعيينات الادارية المرتقبة. ذلك ان العصبيات التي تتنازع في الدولة وعليها لا تؤمن في حقيقة الأمر بالمساواة السياسية والقانونية بين المواطنين. وهي، في تصارعها على الحصص تتلاعب من غير تردّد بمواصفات الجدارة ولا تأبه، اذا اقتضى الأمر، للقوانين والمعايير والكيفيات التي راجت تسميتها "آلية" لاختيار اصحاب الوظائف القيادية في الادارة.


ربما استدعت المشكلات التي توقفنا عندها اضافة الى الكثير من مسائل الخلاف، ومعها التباعد بين اللبنانيين الى حدود الانقطاع، استئنافا للحوار حسبما تشي نية من ذكّر به. الاّ ان الحوار السياسي في لبنان لم يكن حوارا. فغالبا ما تأرجح بين التفاوض والتخاطب المتوازي وترداد العموميات التي لا تلزم احدا والاتفاق على مقررات لم يلتزم الكل العمل على تنفيذها. ولذلك فإنه اذا ما تواصل على صورة التجارب الماضية يفقد جلّ معناه او كلّه.
وفي زمن الزهو والقلق يبدو الحوار الحقيقي عسيرا.

وزير لبناني سابق



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة