|
النظام السوري الذي يمر بأزمة غير مسبوقة يظهر للمراقب وكأنه ما زال يمتلك ترف الوقت الفائض. يدرك أي متابع للشأن السوري، أن النظام، ورغم كل المستجدات التي باتت تجسد وقائع على الأرض، لا يزال يرسم إستراتيجياته السلطوية دون الإلتفات إلى متغيرات البيئة الداخلية، ويصر على إتباع المقاربات التي طالما إستأنس بها في مراحل الإسترخاء. من هنا فهو يفصّل الأمور على مقاساته ويرتب المخارج لتتوافق مع مصالحه، ويبدو في ذلك مصدقاً ومطبقاً لمقولة حلفائه اللبنانيين (خلصت).
على ذلك، فإن النظام، الذي يمر بأزمة غير مسبوقة في تاريخه الذي يمتد لنصف قرن، يظهر للمراقب وكأنه ما زال يمتلك ترف الوقت الفائض، والتماسك النخبوي، والوضع الإقتصادي المريح، حتى لو إستمر الأمر لسنوات، على ما يقول رأس النظام في خطابه الأخير، في الوقت الذي تتواتر في المشهد السوري تحولات مذهلة، ويولد الشارع أشكالاً للتعبير والإحتجاج الى درجة يمكن القول معها أن أولئك الميدانيين الساهرين في ساحات القرى ونواصي شوارع المدن، بالقرب من فوهات مدافع الدبابات ويرددون "يامحلا النوم على صوت الدبابة"، باتوا يعدون تصوراتهم عن سوريا المستقبلية، التي لا وجود فيها لمثل هذا النظام.
وتكشف إجراءات النظام، على إمتداد الأزمة، طبيعة الإستراتيجية التي يعتمدها، والتي يتضح ان الهدف الأساسي منها قمع الثورة، وليس إخراج البلاد من أزمتها، وبالتالي إعادة إنتاج الحالة التي تمتع النظام فيها بوضعية مريحة إستطاع من خلالها الإستيلاء على الدولة والسيطرة على مختلف مجالاتها، السياسية والإقتصادية والإجتماعية، والتحكم بوظائفها الداخلية والخارجية بصفتها ملكاً حصرياً، من دون وجود شركاء آخرين، وبالطبع، بلا مراقبة ولا محاسبة، لأن هذا النمط من الأنظمة لا يمكنه الحياة وسط بيئة سياسية طبيعية.
وفي سبيل ذلك، تشتغل مكائن النظام في هذه المرحلة بأقصى قدراتها التشغيلية، وتجهد الورش القانونية والدستورية والإعلامية، في موازاة الحركة المحمومة لفرق الجيش والكتائب الأمنية، بحيث يتم كل يوم الإعلان عن تشكيل لجان لصياغة قوانين، وطرح مسوّدات لمشاريع قوانين أخرى، والوعود بمناقشة حزم ثانية من القضايا والمشاكل. ومن حيث الشكل، تبدو هذه الحركة الدائبة للناظر من الخارج، ومن الخارج حصرياً، وكأنها إستجابة عقلانية وواعية، ليس لمتغيرات البيئة الداخلية السورية، وإنما أيضاً محاولة منطقية للتكيف مع مقتضيات العصر، الذي تتخلف البلاد عنه درجات حتى بمقياس الدول المجاورة، إن من حيث نظمها الإدارية والتعليمية والإقتصادية القروسطية، أو من حيث البنى القانونية الناظمة للحياة عموماً في سوريا.
أما من حيث المضمون، فلا تعدو الأمور كونها إعادة إنتاج لحالة العطالة السورية في كل الميادين، وهذا ليس تخميناً ولا تقديراً، بقدر ما هو قراءة لنتاج القوانين واللوائح الجديدة التي يتم طرحها للنقاش، ثم إقرارها كما هي، ففي معظم هذه القوانين يتضح أن ثمة تغيرات طالت الهوامش وجرت صياغتها بطرق حيوية ومرنة، مع محافظتها على المتون و إعادة ترتيب تبويبها، قد بدا ذلك واضحاً في مسوّدة قانون الإنتخابات البلدية، التي أعادت الحصص والشروط والهيكليات السابقة دون تعديل يذكر. ولعل ما يفسر إستمرار هذا النمط من المقاربات العلاجية، إضافة إلى رغبة النظام في ذلك، طبيعة اللجان التي تقوم بصياغة هذه المقاربات والتي يتم تكوينها من شخصيات، عتيقة، من داخل النظام.
وما دام الأمر على هذه الشاكلة، ما فائدة الحوار وعلى ماذا سيتحاور المتحاورون؟ من الواضح أن النظام قد رتب الموضوع بطريقة مذهلة، فالدعوات أرسلت لشخصيات كان من المتوقع عدم حضورها، إما لأن لها شروطاً لم تنفذ بعد، مثل وقف الحل الأمني، أو لعدم وجود ضمانات لعدم إعتقالها، وربما لعدم ثقتها بالحوار مع النظام أصلاً، وإستتباعاً يحمل النظام المعارضة مسؤولية فشل الحوار، من جهة أخرى يسعى النظام إلى إغراق الحوار بحوارات هامشية أطلق لها العنان في كل أرجاء البلاد (حوارات طالبية، وحوارات شبابية، وحوارات نواب برلمانيين سابقين، وحورات مستقلين...)، وبذلك يصبح حوار السلطة والمعارضة حواراً من جملة حوارات لا يملك صلاحية تقرير مسارات الأمور لوحده!
والحال، فإن إستراتيجية النظام تقوم على تمييع كل الإجراءات والفاعليات بهدف تعطيل دينامية الحراك الشعبي وضرب المرجعيات السياسية والثقافية وتشويهها، ولن يخرج من عباءته إلا نمطاً مشوهاً لحياة سياسية تضمن له الإستمرار والحفاظ على المصالح والإمتيازات التي يهيمن عليها، ربما لأنه لا يزال يستأنس في نفسه القوة الكافية للتعامل مع الحراك الشعبي!
|