السبت ١٣ - ٦ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ١٤, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
نظام انتخابي جديد للبنان يضمن حسن التمثيل والاستقرار - عبدالله بوحبيب وشارل سابا

جدّدت الحكومة الجديدة التأكيد كما سابقاتها، أن النظام الإنتخابي المعتمد حاليّاً لا يلبّي مقتضيات تطوير الحياة السياسية في لبنان، والتزمت في بيانها الوزاري اعتماد نظام جديد في غضون السنة المقبلة. فما هي موجبات هذا التغيير؟ وما هو النظام الأفضل والأكثر قابلية للتطبيق في لبنان؟


تطرح الإنتفاضات في الدول العربيّة التي تضم في تركيبتها الإجتماعية تنوّعاً إثنيّاً وطائفيّاً وقبليّاً، إشكالية احترام التعدّدية والحقوق السياسية للأقليات في إطار الدولة الديموقراطية، وخصوصاً في ظل غياب فكرة الدولة المدنية ومبدأ مساواة المواطنين أمام القانون. وبدافع هذه الإشكاليّة، يقدّم البعض النظام السياسي اللبناني بروحيّته القائمة على الشركة المتوازنة في الحكم بين مكوّنات الوطن الواحد، كنموذج يمكن الإحتذاء به، فيما يحذّر الإصلاحيون منه خوفاً من الفوضى التي يتخبّط بها لبنان.


إنّ التجربة العملية للنظام السياسي اللبناني منذ استقلال العام 1943 وحتى اليوم، وخصوصاً بعد العام 2005، أظهرت أن موجبات التوافق الدائم بين ممثلي الطوائف والمذاهب وشركتهم في صنع القرار عوّقت معظم الأحيان سير عمل المؤسسات وولّدت مراراً فراغاً وشواغر من أعلى الهرم في السلطة التنفيذية، وصولاً إلى الوظائف الإدارية، مما أدّى إلى ظواهر متكرّرة لتفكّك الدولة وتهديد السلم الأهلي والإقتصاد الوطني وتعريض حياة المواطنين وأرزاقهم للخطر. ويظهر في هذا السياق المساهمة الاساسية للنظام الإنتخابي المتّبع (الإنتخاب الأكثري في الدوائر المتعدّدة المقعد) حالياً في تشكيل أحاديات طائفية ومذهبيّة في التمثيل النيابي تحول دون تكوين أكثرية ومعارضة نيابيتين تضمّ في صفوفهما ممثّلين عن مختلف الطوائف والمذاهب، بما يسهّل آلية اتخاذ القرار ويعزّز المحاسبة، ويضمن تداول السلطة ومشاركة كل الفئات فيها. بناءً على ما تقدّم، اعتبرت الحكومات المتتالية منذ العام 2005 وتحت ضغط الفئات اللبنانية كافة وخصوصاً المجتمع المدني، أن تغيير النظام الإنتخابي هو الإصلاح السياسي الأبرز الواجب إدخاله في النظام السياسي اللبناني حاليّاً كي يصبح أكثر تضمينية وأقلّ شللاً في الوقت ذاته.


ولتحقيق هذا الإصلاح الجدّي، تراوح الخيارات البديلة المطروحة بين الدائرة الفردية واقتراع اللائحة بالنسبية. وتُتَّبع الدائرة الفردية في معظم الديموقراطيات الغربيّة، وتضمن حسن تمثيل المواطنين كأفراد، وتعبّر عن توجهاتهم وخياراتهم وتؤمّن ديمومة تواصلهم مع نوابهم، غير أنه يصعب اعتمادها في لبنان نظراً للتوزيع الطائفي للمقاعد النيابية. أما النظام النسبي المتّبع في دول تعدّدية وفيديراليّة عدّة، فينحصر إمكان تطبيقه في لبنان في النظام النسبي مع التفضيل، نظراً إلى ضعف الأحزاب وعدم إمكان إجراء انتخابات تمهيديّة. ومن المقترحات أيضاً، نظام مختلط يجمع الإقتراع الأكثري في دوائر صغيرة لاختيار قسم من النواب، مع الإقتراع النسبي في دوائر متوسطة أو كبيرة لاختيار القسم الآخر، إضافة إلى نظام الصوت الفردي القابل للتجيير المحدود الذي يشكّل الوجه المعدّل للصوت الفردي غير القابل للتجيير (one man one vote) ويجمع حسنات نظامي الدائرة الفرديّة والنسبي مع التفضيل.


الصوت الفردي القابل للتجيير المحدود


في ظل تعقيدات الكوتا الطائفية في لبنان والثقافة الانتخابية اللبنانية القائمة تاريخياً على نظام مبسّط، قد يكون من المستحسن السير بنظام انتخابي يحافظ على استمرارية جزء من النظام الحالي، وخصوصاً لجهة القضاء كدائرة انتخابية وبساطة الإقتراع الأكثري. ويتمثّل هذا النظام بالصوت الفردي القابل للتجيير المحدود.


ويقضي هذا النظام أساساً بأن يدلي الناخب بصوت واحد لمرشّح واحد في دائرة صغيرة. أما تطبيقه في لبنان، فيمكن أن تُعتمد فيه الدوائر المعمول بها حاليّاً، فيحترم الخصوصية التاريخية للقضاء كعامل مؤسس في الهويّة الإدارية والنيابية. وتكون طريقة الفرز ذاتها، أي أن يفوز المرشّح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات بين المرشحين على المقعد ذاته في طائفته. ففي جبيل مثلاً، حيث يوجد مقعدان للموارنة وواحد للشيعة، ينتخب المواطن مرشّحاً واحداً. وعند الفرز يفوز المرشحان المارونيان والمرشّح الشيعي الذين فازوا بأكبر عدد من الأصوات. ويحافظ هذا النظام على استمرارية النظام الحالي لجهّة الإقتراع الأكثري في دوائر متعدّدة المقاعد لكنّه يحدّ من مساوئه.


ونظراً إلى اختلاف أحجام الدوائر المعتمدة عموماً على القضاء، يمكن أن يعدّل النظام ليصبح الصوت الفردي فيه قابلاً للتجيير المحدود في بعض الدوائر، فيكون على الشكل الآتي:


■ الدوائر التي تضم ما بين مقعد وثلاثة مقاعد ضمناً: صوت واحد لناخب واحد.


■ الدوائر التي تضمّ ما بين أربعة وسبعة مقاعد ضمناً: صوتان لناخب واحد.


■ الدوائر التي تضمّ ما بين 8 و10 مقاعد ضمناً: ثلاثة أصوات لناخب واحد.


■ وبالنسبة إلى بيروت، يمكن أن تبقى ثلاث دوائر على غرار ما هو معمول به في قانون الإنتخابات الحالي، فتتبع دوائرها القواعد ذاتها المعتمدة في سائر الدوائر. ويجوز أن تكون دائرة واحدة، فتضم 19 مقعداً، ويصبح الإنتخاب فيها على أساس خمسة أصوات لناخب واحد. ويسمح هذا الأمر بتمثيل عادل وصحيح لبيروت التعدّدية.


ويجمع نظام الصوت الفردي القابل للتجيير المحدود حسنات النظامين الأكثر اتباعاً في الدول الديموقراطية، أي الدائرة الفردية والنظام النسبي مع التفضيل، في نظام واحد. فهو يعزّز القدرة التمثيلية للنواب ويسمح بتمثيل نسبي في مجلس النوّاب في آن واحد. فيدفع المرشح من ناحية أولى إلى التواصل المباشر مع الناخب وإلى وصول نواب بقدرات مميّزة، مما يضطرّ الأحزاب إلى تحسين مواصفات مرشّحيهم في كل المناطق، من أجل تعزيز فرصها في دخول مجلس النوّاب بكتل وازنة. ومن ناحية أخرى يشبه هذا النظام النسبية فلا يبقى ممكناً من ناحية ثانية فوز كتلة من الناخبين تُمثّل أكثرية بسيطة بكل مقاعد الدائرة، فيما تُقصى كتل أخرى تمثّل أقلّية كبيرة. وبنتيجة ذلك، يقضي المشروع المقترح على احتكار التمثيل المذهبي في مجلس النوّاب كما هو الحال اليوم. ويمكن حينئذ قيام كتلتين ميثاقيتين وبأكثرية تحكم وأقلّية تعارض.


إلى ذلك، يسمح هذا الطرح عمليّاً للبنانيين بانتخاب نوّابهم المفضلين، كما يعتبر المفتاح الأمثل لفتح باب النقاش حول إلغاء الطائفية من النصوص بعد إزالتها من النفوس، لأن فيه لن تشعر أي طائفة أنها مغبونة وخصوصاً أن الإقتراح يسمح للناخبين بتغليب الشعور الفردي على الشعور الجماعي في اختيارهم لممثليهم. ويساهم هذا النظام أيضاً في تثبيت العيش المشترك، ويحدّ من نقل قيد الناخبين الذين يشكّلون أقلّية طائفيّة أو مذهبيّة في بعض الدوائر إلى مناطق أكثر صفاء طائفيّاً ومذهبيّاً، كما يقلّل من جدوى عمليات نقل النفوس الإصطناعي والتجنيس المبطّن وغير الشرعي الهادفة إلى الإخلال بالموازين الديموغرافية لأغراض انتخابية.


ومن حسنات هذا الإقتراح أيضاً أنّه يتضمّن دينامية هادفة إلى ترجيح الخطاب الوطني مع الوقت عبر دفعه المرشّحين إلى محاولة استمالة الناخبين من مختلف الطوائف في الدائرة من أجل إظهار تمثيليتهم الوطنية، مما قد يدفع المرشحين إلى الابتعاد عن اللغة الطائفية ويصبح المجال متاحاً للناخبين امام اختيار المرشحين الذين يريدونهم بمعزل عن الإنتماء الطائفي، وتتعزز فرص العلمانيين والمعتدلين في إيصال مرشّحين بمعزل عن إرادة الكتل الطائفية.


كذلك، يحرّر نظام الصوت الفردي القابل للتجيير المحدود القوى السياسيّة من الحاجة إلى التمويل الخارجي كما حدث في انتخابات العام 2009. فارتفاع كلفة الإنتخابات على القوى السياسية تفقدها حرية حركتها وتجعل من التنافس السياسي المحلّي أكثر ارتباطاً بالصراعات الخارجيّة فيمسي استقلال لبنان وسيادته وحريته أكثر عرضة للتهديد. كذلك، يعتبر هذا النظام سهلاً للتطبيق وليس معقّداً على غرار النظام النسبي مع التفضيل، ويوفّر جهداً وكلفةً على المرشّحين والإدارة الإنتخابية.


■ يطرح "مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية" هذا الموضوع في مؤتمره السابع الذي يعقده السبت 16 تموز في قاعة محاضراته في سن الفيل بعنوان "بحثاً عن نظام انتخابي يضمن حسن التمثيل والإستقرار"، وتشارك فيه مجموعة من الشخصيات السياسية والخبراء.

 

(مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية)



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة