|
للكاتب التشيلياني أرييل دورفمان مسرحية ذاعت واشتهرت بسرعة بعدما نُشرت مطلع التسعينات من القرن الماضي عقب سقوط الديكتاتور أوغوستو بينوشيه، واستعار دورفمان اسم هذه المسرحية "الموت والعذراء"، من رباعية وترية أبدعها شوبرت حملت العنوان نفسه، أما فكرتها الأساسية فقد استوحاها من واقعة حقيقية نشرتها الصحف في حينه.
تدور دراما "الموت والعذراء" التي اقتبسها رومان بولانسكي عام 1992 وحولها الى شريط سينمائي، في بلد خرج للتو من حكم ديكتاتوري قاس (هو، بوضوح، دولة تشيلي أيام بينوشيه)، أما أبطالها فثلاثة فقط هم زوجة وزوجها وطبيب... الأولى ضحية تعذيب بشع تعرضت له في سجون الديكتاتورية وصل الى حد اغتصابها مرات عدة كي تدلي باعتراف ضد زوجها الناشط السياسي المعارض، لكنها لا تعترف بل تصمد أمام العذاب الرهيب الذي كان يتم في إشراف طبيب سادي غريب الأطوار إذ كان من عادته أن يسمع ويستمتع ويُسمع ضحاياه أثناء عمليات الاغتصاب والتعذيب موسيقى رباعية شوبرت.
بقيت الزوجة 15 عاماً لا تستطيع نسيان ما جرى لها، وفي مساء أحد الأيام بعد سقوط الديكتاتور وتشكيل لجنة حقوقية وطنية للتحقيق في وقائع القمع التي شهدتها البلاد وكان زوجها نفسه واحداً من أعضائها، فاجأها الأخير بأن اصطحب إلى البيت رجلاً مجهولاً تعرف اليه عندما تعطلت سيارة الزوج في الطريق، فتوقف له الرجل وعرض بلطف مساعدته وتوصيله لبيته، لكن الزوجة سرعان ما تكتشف أن للضيف الغريب نبرات صوت تشبه صوت الطبيب الذي أشرف على تعذيبها واغتصابها، وقد تحولت شكوكها إلى يقين بعدما باغتت ضيف زوجها وضربته بقوة على رأسه فسقط مغشياً عليه مما أتاح لها أخذ مفتاح سيارته التي إذ فتشتها عثرت على دليل اتهامه، شريط رباعية "الموت والعذراء". عندها قررت تقييد الرجل وجعلته سجينها الخاص، ساعية إلى راحة القصاص بعيداً من بيروقراطية اللجنة الحقوقية الرسمية لزوجها وبرودتها.
تمضي المسرحية بعد ذلك في جدل فلسفي وصراع لفظي حامي الوطيس بين الشخصيات الثلاث تختصر الزوجة الضحية موضوعه عندما تهتف في أحد المواضع: كيف يمكن الجلادين وضحاياهم أن يعيشوا على أرض واحدة؟! هذا الجدل وذاك الصراع عينه يكادان يكونان منقولين بحذافيرهما من مسرحية دورفمان إلى الواقع الصاخب القائم حالياً في مصر (وربما في تونس أيضاً) وغالباً ما سيدور في أي قطر عربي آخر ينجح أهله في إسقاط عضو جديد في نادي الديكتاتوريين القساة العتاة الذين تركوا أو سيتركون خلفهم جيوشاً من الضحايا.
|