الأحد ١٤ - ٦ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ١١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
التعددية في الطوائف اللبنانية ومسألة تطوير النظام السياسي - فارس اشتي

لا تشكل الطوائف الاسلامية خروجا على مبدأ التعددية داخل الطائفة. وهنا ينبغي التمييز بين وحدانية أو تعدد القوى السياسية ووحدانية أو تعدد التمثيل، وكذلك التمييز بين وحدانية التمثيل ووحدانية القرار. فما هي أوضاع الطوائف وفقا لهذه المعايير؟

تطرح مسألة "فرص التعددية في الطوائف الاسلامية"* إشكال افضاء التعدد ضمن الطوائف إلى تطوير النظام السياسي وتفترض وجود هذا التعدد ضمن الطوائف المسيحية وغيابه عند الطوائف الإسلامية. مما يستدعي طرح قضيتين: التعددية في الطوائف، وتطوير النظام السياسي.


ففي موضوع التعددية في الطوائف يمكن القول: إنّ التعددية سنَّة الاجتماع البشري، لتباين في قطاعات الإنتاج ومواقع السكن ومستويات التعلم، والوحدة ناظمة للتعدد، لا "صاهرة" له ولا خارجة عنه ولا نافرة منه، وهما متلازمان بقدر ما هما متمايزان.
والتعدد هذا يشمل كل البنى المجتمعية، السياسية وغير السياسية، الكبرى كما الصغرى، من الدولة إلى الحزب والجمعية والنقابة ومن القرية والمحافظة إلى الطائفة.


ولا تشكل الطوائف الإسلامية خروجاً على ذلك، وهو، على المستوى السياسي، ظاهر للعيان، إن بوجود شخصيات سياسية، أو بوجود أحزاب حديثة (شيوعي، سوري قومي، بعث، ناصري...) ضمنها. وإذا كان الوضع كذلك فلماذا طرح وحدانية التمثيل في الطوائف الإسلامية على المستوى السياسي. وهنا يحسن الإشارة الى تمييزين:
وحدانية أو تعدد القوى السياسية ووحدانية أو تعدد التمثيل. وحدانية التمثيل و وحدانية القرار. ويمكن القول في التمييز الأول بوجود تعدُّد في القوى السياسية، وغلبة في التمثيل السياسي، خلافاً للتمييز الثاني حيث نرى غلبة وحدانية القرار عند كل الطوائف.
وتعود هذه الغلبة في التمثيل ومن ثم وحدة القرار إلى جملة متغيرات أهمها: وجود أزمة عامة تُشعر أفراد الطائفة بالتهديد الوجودي لها فتلتف حول المتصدي لهذا التهديد، سواء أكان هذا التهديد (ثم التصدي) واقعياً أو موهوماً.


وقد عرف لبنان، بعد العام 1975، أزمات عامة طالت الجميع: أزمة الحرب اللبنانية 1975 – 1989. أزمة الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته، وبخاصة في اعوام 1976 و1977 و1982 و1996 و2000 و2006. أزمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. الحرب اللبنانية، وبخاصة بعد الاجتياح الإسرائيلي، التي تطلبت، كأي حرب، تمويلاً لا تؤمنه القوى الذاتية وتعبئة لا يوفرها سوى الشحن الطائفي، الأمر الذي أدى إلى إنعاش القوى ذات التمثيل الطائفي من جهة، وإلى انكشاف البنية السياسية في لبنان على الخارج واستتباع قواها لدوله، مالياً وسياسياً، فضلاً عن خرق الحرب مقومات الاجتماع السياسي بتعطيل القانون ومؤسسات الدولة.
رسو تسوية الطائف على إمساك القوى الفاعلة في الحرب بالسلطة على لبنان، إن تعويضاً عن التمويل الذي فُقد أو تقديراً لقوتها أو استسهالاً للتعامل معها؛ وبخاصة أن الرعاية الإقليمية والدولية للبلد في الحرب كانت حاضرة في الطائف وفاعلة بعدها وإنما انتقلت من الاقتتال إلى التوافق فوزِّعت الحصص وأوكلت لكل قيادة مهمة ولسوريا رعاية الوضع بلبنان.

 

وأدى ذلك الى تكييف نصوص الطائف مع مصالح هذه القوى فاستنكفت هذه القوى عن تطبيق ما لا يتفق مع مصالحها وحرَّفت ما طبق منه وعملت الدولة الراعية على ما يؤمن مصالحها، بالدرجة الأولى، دون إغضاب الدول الأخرى الفاعلة وصادرت القوى الطائفية مؤسسات الدولة الرسمية والمدنية، بقواها الذاتية وبالرضى الإقليمي.
الطبيعة الخدماتية للنظام الاقتصادي الاجتماعي في البلد الذي زاد تطور وسائل الاتصالات والمواصلات، كما الحرب، من خدماتيته التي تضعف وجود قوى مجتمعية منتجة يمكن أن يكون لها وجود مستقل وتمثيل فاعل وتعزز وجود القوى التي يمكن أن تؤمن خدمات، في الدولة وغيرها، وهذا ما يراكم قوة الممسكين بالسلطة، وبخاصة أن الحرب المستمرة أضعفت القانون في الدولة ومؤسساتها الدستورية.
تدجين القوى العابرة للطوائف، إن بالقمع والإبعاد، أو بالإقصاء أو بالاستتباع للراعي الإقليمي أو للقوى الطائفية.


إن هذه المتغيرات التي قادت إلى غلبة في التمثيل لدى الطوائف الإسلامية طاولت الطوائف المسيحية أيضاً وبخاصة في الحرب اللبنانية وقد أدى عدم انخراط القوتين الأساسيتين في تسوية الطائف برفضها من إحداهما وبرفض الرعاية السورية من الثانية إلى تعدد في التمثيل، مرعي إقليمياً، كما أدى اغتيال الرئيس الحريري وما تلا ذلك إلى انكفاء الشعور بالأزمة العامة عند الطوائف المسيحية او تراجعها الى مرتبة ثانية قياسا بالازمة عند كل من الطائفتين الاسلاميتين الكبيرتين، فضلاً عن عوامل اقتصادية واجتماعية وتاريخية.
وفي موضوع النظام السياسي، لا جدال في أفضلية تعددية التمثيل وتعددية القرار في الطوائف كافة، لصدقية تمثيل التعدد الواقعي ضمن الطوائف ولصوابية تعدد خياراتها.
ويمكن القول بأربعة شروط تمكِّن من ذلك: تطبيق القانون، دستوراً وقوانين وأنظمة، على علاته،فالقانون افضل من شريعة الغاب.
اعتماد قانون انتخاب يقوم على النسبية وقد يكون مشروع القانون الذي سمي باسم فؤاد بطرس هو الممكن راهناً والمقبول.
إجراء التعديلات القانونية لجعل السلطة القضائية مستقلة.


ضبط إنفاق القوى الفاعلة في الانتخابات وغيرها بسن القوانين والأنظمة لهذا الضبط وحصر الإشراف على تطبيقه بالسلطة القضائية المستقلة.
إلا أن تصحيح التمثيل المفضي الى التعددية، لا التعددية أيا كانت، قد يكون المدخل لتطوير النظام السياسي، لا الطريق الوحيد لذلك.
ويمكن طرح أفكار للوصول إلى التصحيح، ولما بعد التصحيح: إقلاع القوى المدعية الدعوة للتغيير عن الالتحاق بالقوى الفاعلة لتأمين موقع، ولو صغير، أو حصة، أي الخروج من وهم فاعليتها في اللحظة الراهنة.
اعتبار النقاط المطروحة آنفاً كشروط للتعدد مع غيرها من النقاط برنامج عمل لا مواجهة الإمبريالية وتحقيق الوحدة وغيرها من القضايا الكبرى، على أهميتها،اذ دولة القانون والتمثيل الصحيح للمواطنيين ولفئاتهم المجتمعية هي الشرط الضروري للانطلاق نحوتحديد الخيارات الكبرى وممارسته.


التنسيق في ما بينها ومن ثم مع التجمعات والشخصيات المتوافقة معها تنسيقاً فعلياً، مركزياً ومحلياً، لتحقيق نقاط برنامجية لا تنسيقاً يقوم بوظيفة تكبير الحجم للحصول على الحصة.
اعتماد الشفافية في التعبير والإنفاق والديمقراطية في العلاقات وفي إنتاج السلطة في كل منها وفيها مجتمعة واعتماد المعرفة لا الإيديولوجيا في طرح القضايا.
في النهاية قد يسأل أحدهم، ماذا عن فرص التعددية بين الدروز الذي أنت منهم وطلب أن تتحدث عنهم؟ أقول، كدرزي، بالهوية وبالقيم الاجتماعية التاريخية لا بالسياسة:
أن التعدد قائم بين الدروز، مجتمعياً وسياسياً، إلا أن هناك غلبة للزعامة الجنبلاطية متأتية من جملة معطيات بعضها تاريخي يعود إلى بشير جنبلاط وصراعه مع بشير الشهابي وسعيد جنبلاط ودروه في حرب الستين، وبعضها الأخير حديث وأهمها: شخصية كمال جنبلاط الاستثنائية، فكرياً وسياسياً واجتماعياً وأخلاقياً، ودورها على مدار ربع قرن من الزمان.


استشهاد كمال جنبلاط وما استبطنه عند اللبنانيين بعامة والدروز بخاصة من فداحة في الظلم وكبر في الخسارة وشعور باستهداف الطائفة.
قيادة وليد جنبلاط لحملة مواجهة دخول القوات اللبنانية في العام 1982 وما تلاها إلى مناطق الجبل دخولاً استفزازياً اعتبره الدروز محاولة لاقتلاعهم منه وبالتالي فإن مواجهته مواجهة وجودية.
القيادة البراغماتية لوليد جنبلاط الذي يؤخذ عليها التغيير في المواقف والجرأة في الطرح. إلا أنه يُرى فيها أنها تعطي الدروز موقعاً في السياسة اللبنانية أكبر من حجمهم العددي، وبخاصة أن المواجهات التي تجري مواجهات طائفية والدروز، كطائفة، ليست ذات امتداد إقليمي أو دولي يحميها.


وفرص التعدد ضمن الطائفة قائمة راهناً بوجود زعامات أخرى، تقليدية وجديدة، وبوجود أحزاب عابرة للطوائف بينهم، وهذا التعدد معبر عنه في التمثيل، قبل عام 2005 وبعده، إلا أنه تعدد محكوم بشروط الغلبة السائدة.
أما التعدد الآخر المفضي إلى تطور النظام السياسي فمرهون بما ذكر من شروط واقتراحات، وقد تكون الانتخابات البلدية الأخيرة في المناطق ذات الغلبة الدرزية وفي كل المناطق دليلاً على إمكانية التعدد اذا عملت كل القوى الفاعلة على اعتماد سياسة التوافق وما تحمله من قمع ناعم للتعبير عن خيارات أخرى.

 

* نص مداخلة في ندوة "فرص التعددية في الطوائف الاسلامية" - مركز عصام فارس.

(استاذ جامعي)



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة