|
منذ تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك في الشتاء الفائت نسج المصريون (ولا سيما منهم القطاعات الشبابية الأكثر ثورة وتمردا) مع المجلس العسكري الذي ورث حكم البلاد وشائج علاقة ملتبسة ومعقدة تقوم على الثنائية التي باتت مشهورة، أي الاحتضان والاشادة تارة والضغط والقدح طورا. ومن مظاهر هذا الالتباس الأكثر بروزا تظاهرات ومليونيات يوم الجمعة، تلك التي تتفاوت قوتها وصخبها الاحتجاجي تبعاً لمستوى إلحاح وجاذبية أهدافها والشعارات المرفوعة فيها والمستدعاة دوماً من قائمة مطالب الحشود الهادرة في ميدان التحرير أيام "ثورة 25 يناير".
في المقابل، كثيرا ما حاول العسكر احتواء دعوات التظاهر المليونية واستباق موعدها بـ"هدية"ما تأتي عادة منتصف الاسبوع على أمل أن يخفت الغضب ويخف الاحتقان، ولعل أثمن هذه الهدايا كان إعطاء الضوء الأخضر بتوقيف مبارك وأسرته كلها بتهم أقلها التربح والسرقة وأفدحها قتل اكثر من ألف شاب. على هذا المنوال صارت العلاقة بين الطرفين، تباطؤ ومحاولات من العسكر للتملص من الوفاء بالمطالب الأكثر حساسية، ترد عليها قوى وجماعات الثوار بنداءات للاحتشاد يوم الجمعة، فيضطر العسكر الى تدبير "هدية" جديدة... وهكذا.
لكن ما حدث أمس كان شيئا مختلفا تماما، فعلى رغم أجواء الالتهاب الشديد التي تفاقمت طوال أيام الاسبوع الماضي عقب الصدام الدامي بين الشرطة (العائدة) ومئات من أسر الشهداء المطالبين بقصاص ناجز وسريع وعادل أيضا، أتت "هدية" هذا الاسبوع من الاتجاه العكسي وبدت مسمومة ومعبأة بعناصر تفجير لا تهدئة. فقد اصدرت احدى محاكم الجنايات في القاهرة حكما أحدث صدمة هائلة، اذ قضى بتبرئة بعض ابرز رجال الرئيس السابق ونجله جمال، من تهم أعدت لهم بعجلة وارتباك ظاهرين تتعلق كلها بوقائع فساد محدودة، بل تافهة قياسا بحجم ارقام النهب الخرافي التي يسمعها الناس.
هذا الحكم ليس أخطر ما فيه أنه يسبق بيومين "جمعة انقاذ الثورة" ومحاولة إجبار المجلس العسكري على تغيير مخطط البدء بالانتخابات النيابية قبل صوغ دستور جديد للبلاد، وانما خطورته الكبرى انه ربما هزّ بعنف الثقة بجدوى وفاعلية نظرية "الاحتضان والضغط" مما قد يدفع قطاعات مهمة من الشارع الغاضب الى إهمال أحد طرفي الثنائية إياها، "الاحتضان" وابقاء "الضغط" الصاخب وحده بحيث يصير الاخير السمة الوحيدة لعلاقة قوى الثورة مع العسكر الممسكين بزمام الأمور.
|