الثلثاء ١٦ - ٦ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ٦, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الهدية المسمومة - جمال فهمي

منذ تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك في الشتاء الفائت نسج المصريون (ولا سيما منهم القطاعات الشبابية الأكثر ثورة وتمردا) مع المجلس العسكري الذي ورث حكم البلاد وشائج علاقة ملتبسة ومعقدة تقوم على الثنائية التي باتت مشهورة، أي الاحتضان والاشادة تارة والضغط والقدح طورا.
ومن مظاهر هذا الالتباس الأكثر بروزا تظاهرات ومليونيات يوم الجمعة، تلك التي تتفاوت قوتها وصخبها الاحتجاجي تبعاً لمستوى إلحاح وجاذبية أهدافها والشعارات المرفوعة فيها والمستدعاة دوماً من قائمة مطالب الحشود الهادرة في ميدان التحرير أيام "ثورة 25 يناير".


في المقابل، كثيرا ما حاول العسكر احتواء دعوات التظاهر المليونية واستباق موعدها بـ"هدية"ما تأتي عادة منتصف الاسبوع على أمل أن يخفت الغضب ويخف الاحتقان، ولعل أثمن هذه الهدايا كان إعطاء الضوء الأخضر بتوقيف مبارك وأسرته كلها بتهم أقلها التربح والسرقة وأفدحها قتل اكثر من ألف شاب.
على هذا المنوال صارت العلاقة بين الطرفين، تباطؤ ومحاولات من العسكر للتملص من الوفاء بالمطالب الأكثر حساسية، ترد عليها قوى وجماعات الثوار بنداءات للاحتشاد يوم الجمعة، فيضطر العسكر الى تدبير "هدية" جديدة... وهكذا.


لكن ما حدث أمس كان شيئا مختلفا تماما، فعلى رغم أجواء الالتهاب الشديد التي تفاقمت طوال أيام الاسبوع الماضي عقب الصدام الدامي بين الشرطة (العائدة) ومئات من أسر الشهداء المطالبين بقصاص ناجز وسريع وعادل أيضا، أتت "هدية" هذا الاسبوع من الاتجاه العكسي وبدت مسمومة ومعبأة بعناصر تفجير لا تهدئة. فقد اصدرت احدى محاكم الجنايات في القاهرة حكما أحدث صدمة هائلة، اذ قضى بتبرئة بعض ابرز رجال الرئيس السابق ونجله جمال، من تهم أعدت لهم بعجلة وارتباك ظاهرين تتعلق كلها بوقائع فساد محدودة، بل تافهة قياسا بحجم ارقام النهب الخرافي التي يسمعها الناس.


هذا الحكم ليس أخطر ما فيه أنه يسبق بيومين "جمعة انقاذ الثورة" ومحاولة إجبار المجلس العسكري على تغيير مخطط البدء بالانتخابات النيابية قبل صوغ دستور جديد للبلاد، وانما خطورته الكبرى انه ربما هزّ بعنف الثقة بجدوى وفاعلية نظرية "الاحتضان والضغط" مما قد يدفع قطاعات مهمة من الشارع الغاضب الى إهمال أحد طرفي الثنائية إياها، "الاحتضان" وابقاء "الضغط" الصاخب وحده بحيث يصير الاخير السمة الوحيدة لعلاقة قوى الثورة مع العسكر الممسكين بزمام الأمور.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة