التاريخ: كانون ثاني ٢٢, ٢٠١٥
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الحوثيّون ولعبة الشطرنج الإيرانية - كمال وهبي
قال الشاعر العربي القديم: "لا بد من صنعاء وإن طال السفر"، وقد وصل الحوثيون إلى صنعاء بعد طول سفر وانتظار وباتوا يسيطرون اليوم على مساحات كبيرة من الأراضي اليمنية. 

غاية الزحف الحوثي هو السيطرة على ميناء الحديدة ثاني المرافئ اليمنية بعد ميناء عدن التاريخي والموانئ الأخرى المطلة على باب المندب الذي يشكل مع مضيق هرمز البوابتين الرئيسيتين للعبور. وبذلك ينجح الحوثيون ومن ورائهم إيران بنقلة شطرنج نوعية بعد سقوط المالكي في بغداد.

أبدأ بأهمية اليمن في التاريخ:

دوّن إبن خلدون في تاريخه قائلاً: إن هذه الأمة أقدم الأمم بعد قوم نوح وأعظمهم قدرة وأشدهم قوة وآثاراً في الأرض... "وسمي أهل هذا الجبل العرب العاربة بمعنى الرساخة في العروبة بمعنى الفاعلة للعروبة والمبتدعة لها". فيها آثار مدينة بلقيس ومعبد الشمس وبنات عاد التي قال عنها الزمخشري إن شداد بن عاد هو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد في صحاري عدن. وفيها بقايا سد مارب وبإيجاز فيها مجريات الأحداث الكبرى لبعض قصص الأنبياء والرسل في القرآن الكريم، وهي معروفة ومحددة أماكنها حتى اليوم.

اليمن هي المعقل الرئيسي للزيدية، وهي فرقة إسلامية وليست مذهباً، ظهرت في القرن الثالث للهجرة "التاسع الميلادي"وإستمرت في حكمها للبلاد حتى قيام الثورة اليمنية بقيادة المشير عبدالله السلال وأعضاء مجلس قيادة الثورة بدعم مصري من الرئيس جمال عبد الناصر. وتمت إزاحة حكم الأئمة الزيدية أو ما يسمى بحكم الإمامة (آل حميد الدين والمتوكل وشرف الدين). والزيدية تعود بنسبها إلى زيد بن علي الأصغر بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

وكانت مقولة العدالة هي الأساس في العقيدة الزيدية. أما عقيدتهم ، فإعتمدت في الفقه والإستنباط على المعتزلة أولاً وعلى المذاهب الأخرى في ما بعد ومنها الحنفية والمذهب الجعفري. والزيدية تنقسم أيضاً إتجاهات عدة في داخلها على مستوى العقيدة والفقه.

وبعد هذا العرض الموجز يمكننا تصنيف حركات الإسلام السياسي في الساحة اليمنية اليوم:

- الإخوان المسلمون (جماعة التبليغ السلفية وغيرها).

- تنظيمات إسلامية نشأت بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990 ومنها حزب الحق ويمثل عدة شرائح: زيدية وشافعية، وحنفية صوفية.
- إتحاد القوى الشعبية وحركة العمل والتوحيد، أما حزب الحق فقد حل عام 2006 وكان في داخله (جماعات حوثية).

- "حزب الله" اليمني: تم تأسيس هذا الحزب عام 1962 بعد الثورة وقد تم تصفية مؤسسه القاضي محمد محمود الزبيري من قبل القيادة المصرية في اليمن آنذاك.

- التجمع اليمني للإصلاح: وهو تحالف الإخوان المسلمين لتطبيق الشريعة الإسلامية من خلال القرآن والسنة والعقيدة وهذا التحالف يشتمل على أفكار إبن تيمية والزيدية والشافعية.

ويقسم الدكتور عبد الملك عيسى الباحث في حركات الإسلام السياسي في اليمن التيارات الإسلامية خمسة:

- تيار الشيخ مقبل الوداعي (زيدي).

- تيار سلفي: جماعة الإخوان المسلمين (الداعية عبد المجيد الزنداني).

- التيار السروري: نسبة إلى الشيخ أحمد سرور.

- التيار الجهادي – التكفيري.

- حركة الإخوان المسلمين (التجمع الوطني للإصلاح ).

- حركة "أنصار الله"(الحوثيون) ونسبهم يعود إلى مؤسس حركتهم (حسين بدر الدين الحوثي) وهو عالم زيدي كان قد تأثر بالثورة الإيرانية وشعارات الإمام الخميني.
والحوثيون يعودون بنسبهم إلى الأسرة الهاشمية والمؤسس هو بدر الدين الحوثي والد حسين الحوثي.

- المؤتمر الشعبي العام: حزب الرئيس السابق علي عبدالله صالح والذي ما زال يسيطر على ألوية متعددة من الجيش اليمني ومنها لواء الحرس الجمهوري الذي كان يرأسه إبنه العميد أحمد، وعلى سبيل التذكير فإن المؤتمر الشعبي العام كان قد حصد نصف الحكومة السابقة في عهد الرئيس الحالي وهو الذي مهد الطريق لوصول الحوثيين إلى صنعاء بعد الخلاف الذي وقع بين الرئيسين.

- وهناك أحزاب سياسية تاريخية في اليمن منها الحزب الإشتراكي، حزب البعث بشقيه العراقي والسوري- والناصريون وحركات إتحاد الشباب اليمني الجامعي الحديثة النشأة.

بعد هذا العرض الموجز للحركات السياسية الإسلامية والحزبية في اليمن، هل ينجح الحوثيون وحلفاؤهم ومعهم إيران بالسيطرة على اليمن ومنافذه البحرية وموقعه الإستراتيجي على حدود المملكة العربية السعودية، مع العلم أن المملكة قبلت بالإتفاق الآخر الذي أنجزه الموفد الأممي جمال بن عمر؟

الإنقسام المذهبي والقبلي الحاصل في الساحة اليمنية، لم يستثنِ الزيديين الذين إنقسموا على انفسهم أيضاً ولم يعودوا أكثرية في التوزيع الديموغرافي اليمني. علماً أن التمدد الحوثي الإيراني سيزيد من عمل التكفيريين والجهاديين ("القاعدة"وأخواتها) ولا ننسى أمنية بن لادن بالسيطرة على اليمن.

إيران قد إبتدأت بالتمدد في اليمن منذ أواخر الثمانينات، حيث كان مبدأ تصدير الثورة الإيرانية خارج إيران من مهمات هذه الثورة. فأنشأت المراكز الثقافية والصحية في صنعاء وصعدة وحجة. وكنت شخصياً أدرس في جامعة صنعاء آنذاك. وشعرت بهذا التمدد حيث رفعت صور الإمام الخميني في باب اليمن (صنعاء القديمة) وهذا نتيجة حتمية للصراع القائم بين الوهابية والزيدية.

ومن العوامل الرئيسية التي قد تحول دون هذا التمدد طبيعة الجغرافيا اليمنية. فهي شبيهة بـ"كرتونة البيض". جبل ووادٍ وسهل. وديان مسالكها صعبة وجبال شاهقة. فكوكبان مثلاً كانت مركزاً رئيسياً لحكم الإمامة (آل شرف الدين) وبقيت عصية على الأتراك بعد حصار طويل حيث عادوا منهزمين. ومعجم القبائل اليمنية يزدحم بأسماء مئات القبائل والبطون والأفخاذ وفروعها. واليمن العصية على الزمن رمز الحضارة والخصوبة سابقاً (اليمن السعيد) أصبحت اليوم رمزاً لأسطورة التخلف حيث يذكر التاريخ بنات عاد وبلقيس ومملكة سبأ وأسماء وأروى ملكات لعبن دوراً مهماً في تاريخها.

فاليمن هي المبتدأ والخبر، لذلك أرى أن هذا التمدد أمامه عوائق كثيرة، فالربيع لم يمر على اليمن بعد بالمعنى السياسي نظراً الى تعدد الفصول المناخية والسياسية في النهار الواحد. والمسار لم ينضج بعد وكما قيل: "من لم يعلمه الزمن تعلمه اليمن".
 
استاذ في الجامعة اللبنانية