ربما كان المتغير الأكثر إيجابية في رد الفعل الأول على الحدث الفرنسي (7/1/2015) بالقياس إلى الزلزال الأميركي (11/9/2001)، يتمثل في ذلك الاصطفاف العالمي الحاسم، بمشاركة عربية واسعة، حول فرنسا وأوروبا، تنديداً بالكارثة، ومشاركة في تظاهرة الجمهورية، دفاعاً عن حرية التعبير. وعلى رغم أن نوعاً من الاصطفاف قد حدث خلف الولايات المتحدة، حتى أن شعار (كلنا شارلي) الذي تردد صداه اليوم، يكاد يكون هو نفسه شعار (كلنا أميركا) الذي تردد صداه بالأمس، فإن الإجماع العربي ضد الحدث الفرنسي، يبدو متجاوزاً انقسامَ الأمس حول الحدث الأميركي.
عندما وقع زلزال أيلول (سبتمبر)، كان متصوراً أن الإرهاب بلغ ذروته، وأنه سيبدأ الانحدار بإعلان الولايات المتحدة الحرب ضده. ولم يكن التصور صحيحاً، حيث وقع الحدث الفرنسي في سياق عالم يبدو الإرهاب كأنه قد لفه بأذرعه، ما يعني أن الحرب عليه لم تسر في الطريق الصحيح، حتى الآن. والسؤال هنا: هل يكفي ذلك التغير الإيجابي في مستوى الاصطفاف الدولي - العربي لبدء حرب حقيقية على الإرهاب، تأخرت أربعة عشر عاما كاملة أعقبت الحدث الأميركي، ولم يعد معقولاً أن تتأخر يوماً واحداً أعقاب الحدث الفرنسي؟ تبدو الإجابة على الأرجح بالنفي، في ظل ما كشفته سياقات الحدث الفرنسي من أخطار غير مسبوقة، نتجت من تطورين أساسيين:
أولهما: يتمثل في الانتشار الجغرافي الهائل للارهاب الذي لا يكاد يستثني بلداً حتى الأكثر تقدماً، ليس فقط من خلال ذوي الأصول الإسلامية، بل أيضاً الأصلاء في أوروبا الذين يعتنق الإسلام من بينهم نحو ستين شخصاً يومياً، وفق تقارير أوروبية، ثلثهم من المتشددين.
يعني ذلك أن توازناً سياسياً غرائبياً نشأ بين طرفي المعادلة: حيث قوة الشمال وتقدمه مقابل ضعف الجنوب وجنونه، لم يعد ممكناً معه للشمال ترك الجنوب لمقاديره يمرح فيه الفقر والعنف طالما كانا بعيدين منه، لأنهما سيصلان إليه حتماً.
وثانيهما: يتمثل في العلاقة الآثمة بين الإرهاب والتكنولوجيا، لتجعل من التحديث المتسارع، طريقاً إلى العنف والإرهاب لا إلى الحرية والديموقراطية، كما تقول نظريات التحديث التقليدية، هو تطور صادم أخذ يعبر نفسه على الجانبين، بأقدار مختلفة ولدوافع متباينة. في الجانب العربي يبدو هذا التطور كاسحاً، وربما متجذراً في ذلك الانفصال الجوهري بين منتجات التحديث وقيم الحداثة. فلم يعد غريباً أن تجد سلفياً متشدداً، يحمل «لابتوب»، موصولاً بالشبكة العنكبوتية، مع تليفون محمول بالغ التقدم، ينتج من العلاقة المعقدة بينهما أكثر تطبيقات الاتصالية فاعلية وخطورة، بينما يرتدي الرجل جلباباً قصيراً وبنطالاً طويلاً مع ذقن متمددة على الصدر، سرعان ما تنقلك إلى زمن بعيد مضى، أو إلى جغرافيا قصية لعلها جبال تورا بورا في أفغانستان، وذلك من دون أن يشعر الرجل بأي تناقض. فإذا ما استحال إرهابياً، تعين علينا أن نتصور ما الذي يمكن أن تستخدم تلك التقنية الهائلة من محاولات تجنيد الأعضاء، وتوجيههم إلى القيام بمهامهم الدموية عبر أي بقعة جغرافية. المشكلة هنا أن مجتمعاتنا بدأت سيرورة تحديثها من الهوامش التكنولوجية، من دون إنجاز أولى للمتون المعرفية والفلسفية التي أسست لها، أو صلة تذكر مع فضيلة الحرية السياسية التي أحاطت بها. والنتيجة النهائية أن مجتمعاتنا الزراعية غالباً، والرعوية أحياناً، والصناعية نادراً، ومثلها دولنا، حاضنة الاستبداد والطائفية والقبلية، صارت حاملة للكثير من فيروسات المجتمع ما بعد الصناعي، في مسار تاريخي يبدو معكوساً، وتطور حضاري يبدو مقلوباً.
أما في الجانب الغربي فيبدو هذا التطور نتاجاً لحال اغتراب نفسي أخذ يلف الكائن الإنساني ويدفع به نحو أزمة معنى من طراز وجودي، حيث الطبيعة اللامركزية للنشاط الفكري ما بعد الحداثي، وما يتسم به من نسبية مفرطة وعدم يقين مزمن، يخلقان لدى الفرد أزمة روحية، وشعوراً بالهامشية، باعتباره مجرد ترس ضمن الآلة المجتمعية الكبرى والمعقدة، وهي حال يسعى إلى تجاوزها باستلهام مكونات الروح التقليدية، وفي قلبها الدين، خصوصاً في مكونه الثوري - الاحتجاجي الذي يدفع به إلى سلوكيات عنيفة وغرائبية، تمنحه إحساساً بطولياً بالحياة، وإدراكاً مغايراً لمغزاها. وربما كان ذلك تفسيراً ممكناً لجاذبية «داعش» الشباب المسلم من ذوي الأصول الأوروبية.
تقتضي مواجهة هذين التطورين السلبيين، التحلي بفضيلتين أساسيتين، خلت منهما الحرب (الأميركية)، ضد الإرهاب حتى الآن:
الأولى تتمثل في الاتساق الأخلاقي، تجاوزاً لإشكالية المعايير المزدوجة، وهي الآلية التي طالما مارسها الغرب هروباً من استحقاقات كبرى تقع على كاهله، واقتحام مناطق ومساحات لا تخصه. تاريخياً بدأت تلك المعايير في ممارسة نفوذها عبر النزعة الكولونيالية التي احتل الغرب في سياقها أرجاء كثيرة في عالمنا باسم أفكار مثالية تتحدث عن مهمته في تحضير العالم، ونشر العمران به. كما اعتنق الغرب الحرية مبدأ أسمى، أعطاه صبغة مقدسة، ولكن باعتبارها حقاً لمواطنيه فقط، وليس للبشر جميعاً. وراهناً لا تزال تلك المعايير تمارس نفوذها على أكثر من صعيد، خصوصاً في ما يتعلق بالاستخدام السياسي للدين الذي ينكره حين يكون ضاراً به، ويقبل به بل ويوظفه حينما يكون نافعاً مفيداً.
ناهيك عن ذلك، فإن الغرب الذي انتفض ضد حادث إرهابي راح ضحيته 17 شخصاً، لمجرد أنه وقع على أرضه، لم يحرك ساكناً لما جرى من مذابح في باكستان ونيجيريا وسورية والعراق وليبيا واليمن وغيرها، بينما تسارعت حركته فقط مع مقتل ثلاثة صحافيين من رعايا أميركا وبريطانيا، في اتجاه تحالف دولي لمحاربة «داعش»، وهو أمر يجافي الأخلاقية الإنسانية التي يتوجب على الغرب التحلي بها عملياً وليس فقط نظرياً، خلاصاً من الانتقائية والازدواجية، إذا ما أراد نصراً حقيقياً في حرب كونية ضد الإرهاب.
أما الثانية فتتمثل في الاتساق السياسي على نحو ينهي حال النفاق في التعامل الدولي بين المجتمعات والمشروعات، حيث يتم التسامح مع ذلك المشروع - الدولة كونه يفرز إرهاباً صديقاً، بينما يجرى التعسف مع ذلك المشروع - الدولة، كونه يمارس إرهاباً ضاراً. نقول في شكل واضح أن ثمة أصوليات ثلاثاً (يهودية ترجع إلى ستة عقود، وإسلامية شيعية عمرها ثلاثة عقود، وسنّية توازي نظيرتها الشيعية) تتنازع السيطرة السياسية على منطقتنا الحضارية. ونؤكد في شكل أوضح أن حرباً ناجحة ضد الإرهاب يجب أن تنطلق من مواجهتها جميعاً، لا من مواجهة إحداها دون الأخرى، ولا حتى من التحالف مع الأقل سوءاً ضد الأكثر شراً. نعترف بأن الأصولية السنّية تشهد ذروة انفجارها اليوم، بما لا يدع مجالاً للعالم سوى أن يحتشد في مواجهتها. ولكن ثمة أصولية أخرى أقدم منها لا يراها العقل الغربي أو لعله يعتبرها (عاقلة) كالأصولية اليهودية التي كانت أفرزت إسرائيل العلمانية! قبل أن تعود الأخيرة لتتغذى عليها في عدوانها اليومي على كل ما هو عربي، إسلامي ومسيحي، في فلسطين التاريخية.
وثمة أصولية ثالثة شيعية، أربكت المنطقة لعقدين عبر برنامجها لتصدير الثورة، ولا تزال تسعى لفرض هيمنتها عليها طوال العقد الأخير عبر استراتيجية تغلغل دؤوبة تستند إلى الطائفية، وتتغذى على الأخطاء الأميركية، خصوصاً في العراق، وهي الاستراتيجية التي صادقت عليها الولايات المتحدة ضمنياً، في سياق الحرب على «داعش»، حيث سمحت للجنرال قاسم سليماني بقيادة هذه الحرب برياً، ليعيث فساداً في الأرض التي يتم تحريرها، وهو أمر يغذي الأصولية السنّية، ويدفع بعض الأهالي إلى الارتماء في أحضان «داعش»، بل ربما تفتقت تلك الأصولية عن الأخطر من «داعش»، طالما لم تتوقف مظلوميتها العميقة، فمن كان يتصور أن تنمو جماعة أخطر وأوغل في العنف من تنظيم «القاعدة» الذي نُظر إليه طويلاً باعتباره الشر المطلق.
* كاتب مصري
|