التاريخ: كانون ثاني ١٩, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
مصر والاعتدال العربي ... استعادة سياسة مبارك الخارجية ونبذ الداخلية - أحمد عدنان
للرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك خطايا وحسنات، فإن كانت الدولة الأمنية – التي ورثها من نظام ثورة يوليو – وتعاظم مستويات الفساد في ظل غياب الرقابة والعقاب من خطاياه، فلا شك في أن سياسته الخارجية من حسناته التي يجب أن تسجل له بلا تجاهل أو ظلم.

أخذ البعض على مصر في عهد مبارك تراجع دورها الإقليمي والدولي. يتحمل مبارك في هذا المأخذ أن العقد الأخير من حكمه شهد تزعزع وضعه الداخلي، ولا يمكن أن يبرز خارج الحدود ما هو متآكل داخلها. وستستمر هذه المعادلة إلى مصر عبدالفتاح السيسي، فالظروف الاقتصادية والأمنية التي يعيشها الداخل المصري الآن لن تسمح بدور بارز على المستوى الإقليمي أو الدولي. لكن هذا لن يمنع الاستثناء، أن تكون مفوضة (من) أو ممثلة (لـ) أو شريكة (في) إجماع عربي جزئي أو كلي، مع التشديد على أن هذا الاستثناء يؤكد قاعدة التراجع لانتقال مصر من موقع القيادة إلى موقع التمثيل.

الحال الاقتصادية لمصر ستخنق دورها الخارجي إلى درجة بعيدة، يروي أحمد أبو الغيط (وزير الخارجية السابق) أنه خلال حرب تموز (يوليو) زار بيروت مع وزراء الخارجية العرب، ألقى الوزير في حضرة الرئيس فؤاد السنيورة خطاباً سياسياً مهماً، بعد ذلك انتقلت الكلمة إلى وزير الخارجية السعودي ثم إلى وزير الخارجية القطري معلنين عن منح مليارية للبنان. يقول أبو الغيط: «حينها اضطررت إلى التراجع والسكوت، فالداخل أولى إذا وجدت المبالغ أصلاً». يشير أبو الغيط – مثلاً – إلى أن موازنة وزارة الخارجية المصرية المخصصة لأفريقيا لا تتعدى بضعة ملايين من الدولارات، في حين أن موازنة الصين المخصصة لأفريقيا تتجاوز ملياري دولار (يشير أبو الغيط في لقاء تلفزيوني له إلى أن مصر مبارك لم تتجاهل دول حوض النيل مطلقاً، لكن بعض القوى الاقتصادية حال دون ربط إثيوبيا – مثلاً – بمصر اقتصادياً، ما أتاح إجراء معادياً كسد النهضة في ما بعد، وأيده في ذلك الديبلوماسي المحنك بطرس غالي).

النقطة الأهم في مسألة تراجع الدور الخارجي، تغير العالم حول مصر. الحرب الباردة انتهت، بالتالي لم يعد هناك معنى لدول «عدم الانحياز» التي كانت مصر من روادها. الحرب الباردة لن تعود، والتجاذبات بين روسيا والولايات المتحدة انعكاس للسياسات المرتعشة في البيت الأبيض أكثر من أي شيء آخر.

مع نهاية حرب أكتوبر 1973 انتقلت بؤرة الاهتمام الدولي من قناة السويس إلى الخليج العربي (وسنرى بعد سنوات انتقالها الجذري إلى بحر اليابان)، وبالتالي فقدت مصر – نسبياً – سبباً من أسباب الاهتمام الدولي بها، ما أثر – أيضاً – على دورها.

تراجع فكرة القومية العربية التي استخدمها «نظام يوليو» غطاء لتمدده الإقليمي، لمصلحة الإسلام السياسي حيناً، ولمعان القيمة الوطنية للدولة القطرية حيناً آخر، أثر في السياسة الخارجية المصرية.

مع وصول «الإخوان» إلى الحكم، فشل استخدام الإسلام السياسي بديلاً للقومية العربية لأسباب عدة أهمها: الرفض الشعبي، خدمة أفكار الإسلام السياسي لمصالح تعارض الوطنية المصرية بسبب مفاهيمه الماحية منطق الجغرافيا وبنيته المخالفة قوانينَ التاريخ والاجتماع ومنهجه المكشوف بمعاداة مدرسة الأزهر الشريف التي تتمتع بالتجذر المصري والامتداد الإسلامي العريض.

القوة الناعمة لمصر

الحرب التي تقودها مصر على «الإخوان» في الداخل، ليست رهاناً لتوسيع دورها الخارجي، هي برهان على أهمية القوة الناعمة لمصر التي تغطي – أو تتفوق أحياناً – على النفوذ المباشر. العودة إلى القومية العربية غير مجد لأن العصر تجاوزها، لكن سلاح العروبة لم تنتهِ صلاحيته ولم يغب عن سياسات مصر الخارجية في عهد مبارك.

أخذ البعض على مبارك خصومته مع إيران. لم يفهم أولئك البعض أن الخصومة بين مصر وإيران قدر حضاري وثقافي وجغرافي. سار مبارك في خصومته على منهج أسلافه الذين ربطهم التنافر بإيران الشاهنشاهية، ثم إيران الإسلاموية. مصر وإيران تمثلان – تاريخياً – صراعاً بين حضارتين متنافستين لا توسع لإحداها من دون تقلص الأخرى، وتمثلان قوميتين متضادتين لا قوة لإحداها إلا في ضعف الأخرى. الضحالة السياسية قادت الرئيس السابق محمد مرسي إلى التقارب مع إيران (ردت الجميل برفضها ثورة 30 يونيو في بيان رسمي)، وحين آلت الأمور إلى السيسي صرح مصححاً المسار «علاقتنا بإيران تمر عبر أمن الخليج».

أخذ البعض على مبارك تمسكه باتفاقية كامب ديفيد التي ورثها عن سلفه الألمعي محمد أنور السادات. المرشح الرئاسي حمدين صباحي في برنامجه الانتخابي أغفل الإشارة إليها وزعم بأنه سيقاطع إسرائيل حتى تعيد حقوق الفلسطينيين من دون أن يقول كيف، والطريف أن السيسي بدا أكثر تقدمية وواقعية وهو يتحدث عن التفكير في تعديل الاتفاقية. التصقت بالاتفاقية أوهام روجها الجهلة بسبب غياب التعامل السليم إعلامياً وتثقيفياً. اتفاقية كامب ديفيد هي إطار تفاوضي وليست معاهدة سلام، بالتالي فإن إلصاق الإجراءات التفصيلية بها جهل فاضح.

الحديث عن أن معاهدة السلام تجعل سيناء منطقة منزوعة السيادة والسلاح وبلا حضور عسكري جهل أفدح، تتيح الاتفاقية في المنطقتين (أ) و (ب) وجود 25 ألف جندي (21 ألف من الجيش و4 آلاف من حرس الحدود) بكامل أسلحتهم ومعداتهم، إضافة إلى 230 دبابة 262 مدفع ميدان ومدفع مضاد للطيران و480 مدرعة قتالية. أما المنطقة (ج) – وهي الأضيق – فتغطيها الشرطة بكل معداتها وأسلحتها. تأمل هذه الأرقام إذا علمت أنه منذ حرب 1948 إلى حرب 1967 لم يزد عدد الجنود المصريين – على أساس الوجود الدائم – في سيناء وغزة عن 1500 جندي!

ما لا يعلمه أولئك البعض أن المنطقة (ج) في مصر يضاهيها في الأراضي المحتلة المنطقة (د) وشروطها على الإسرائيليين: خلوها من المدفعية والصواريخ (باستثناء الصواريخ الفردية) وأن لا يزيد عدد الجنود الإسرائيليين عن 4 كتائب مشاة (4000 جندي).

من النادر جداً، أن تجد عسكرياً ينتقد معاهدة السلام وتحديداً في ترتيباتها العسكرية والأمنية، فالمفاوض المصري أمن لبلاده في سيناء كل إمكانات الإنذار والردع وصد الهجوم المفاجئ. وإذا كانت مصر منزوعة السيادة في سيناء – وهذا غير صحيح – بسبب ترتيبات المعاهدة فإسرائيل – هي الأخرى – منزوعة السيادة في المنطقة (د).

الحديث عن أن معاهدة السلام أخرجت مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي غير دقيق. حين تولى مبارك زمام الحكم، رفض طلباً إسرائيلياً – أميركياً بتغيير العقيدة القتالية للجيش المصري «إسرائيل هي العدو» وما زال هذا سارياً الى اليوم. الصحيح هو اختلاف دور مصر، لم تستطع أي إدارة أميركية استبعاد مصر مبارك عن سير المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية بما في ذلك آخر محاولات جورج دبليو بوش وأولى محاولات باراك أوباما.

هلل البعض لـ «عودة مصر إلى دورها القيادي بسبب دور مرسي في حرب غزة». ما فعله الرئيس المصري على هامش تلك الحرب هو جريمة بكل المعايير، لقد قدم لإسرائيل وعداً بضمان مصري لأمنها من غزة، وهو ما رفض مبارك أن يمنحه لثلاثة عقود لأسباب وطنية ومنطقية (هذا الوعد هو ما يفسر أسباب انفجار حركة «حماس» اللاحق على محيطها).

للرئيس مبارك تصريح لم يفهمه بعض العرب إلى اليوم: «إسرائيل تستفيد من عدم فهم قضية غزة في صرف النظر عن القضية الفلسطينية». ولفهم هذا التصريح نعود إلى قصة متداولة في التراث اليهودي: ضج فقير من الحجرة الضيقة التي يقطنها مع زوجته وأبنائهم الخمسة. ذهب الفقير إلى حاخام القرية، قال له إن الله ظالم، لقد أسكن التاجر الثري صاحب العائلة الصغيرة في قصر منيف وأسكنني أنا الفقير صاحب العائلة الكبيرة في حجرة حقيرة. قال له الحاخام، تلاصق حجرتك زريبة تتبعك، رد الفقير، بلى فيها بضع دجاجات أقتات من بيضها أو أبيعه، وفيها ديك يوقظني. أوضح الحاخام لزائره، أن حل مشكلته سهل، لكن عليه أن ينتقل – بكامل أسرته – إلى الزريبة التي تلاصق منزله - حجرته وتصغرها مع الديك ودجاجاته وفراخه، حتى يأذن الله بالحل العادل. نفذ الفقير نصيحة حاخامه، فماذا جرى؟ واظب الحاخام على زيارة فقيره ليراجع أحواله، في البداية كان الفقير يذكره بالحل الإلهي لمشكلة الحجرة، وبعدها أصبح يضيف مطالبات بتحسين شروط الزريبة، ثم انتهى الحال إلى نسيان المشكلة الأصلية والتركيز الكلي على تحسين الزريبة.

فلسطين – إذاً – هي الحجرة وغزة هي الزريبة، وقد تمكنت إسرائيل – بدعم موضوعي من حركة «حماس» – بصرف النظر عن القضية الأساسية إلى قضية فرعية وسار الغوغاء خلفها، فأصبحت القضية اليوم هي غزة (تحسين شروط الزريبة) ونسي البعض قضية فلسطين تماماً. إلى أين سيقودنا هذا العمى؟ إلى اختصار الدولة الفلسطينية في غزة! إلى تمزيق المطلب العربي - الفلسطيني في دولة متصلة!

الخصومة مع حماس

الخصومة بين مبارك و«حماس» تحولت إلى خصومة بين التنظيم وبين الشعب المصري كله بعد ثورة 30 يونيو. استخبارات عمر سليمان كانت تعرف تفاصيل كل نفق يربط بين سيناء والقطاع، لكن مبارك اعتبر الأنفاق متنفساً لسياسة العصا من المنتصف: إغلاق معبر رفح مقابل السماح بالأنفاق. أعلن الحكم الانتقالي في مصر تدمير غالبية الأنفاق بين مصر والقطاع، ومعبر رفح عاد لحاله بعد إزاحة «الإخوان». انعكست العودة لسياسات (مبارك) – في ظل اللحمة الداخلية المتماسكة – إيجابياً على القضية الفلسطينية، فتصالحت «حماس» مع فتح، وانضوى الجميع تحت السلطة الشرعية من جديد بعد ثورة 30 يونيو، لكن «حماس» عادت إلى شقاقها لاحقاً لارتهان قرارها خارجياً.

معبر رفح مع معبر كرم أبو سالم يربطان غزة بسيناء. معبر رفع مخصص للأفراد، بينما معبر أبو سالم مخصص للبضائع والمساعدات. معبر أبو سالم يخضع لسيادة إسرائيلية – مصرية، في حين يخضع معبر رفح للسيادة الفلسطينية – المصرية وفق شروط أهمها الاتفاق الموقع بين مصر والسلطة الفلسطينية الشرعية، وبخروج حركة «حماس» عن السلطة الفلسطينية لا يوجد أي اتفاق بينها وبين مصر لتنظيم المرور عبر المعبر، بالتالي فمصر معذورة في إغلاقه. يستخدم معبر أبو سالم أحياناً كبديل لمعبر رفح في حال الإغلاق، صبت حركة «حماس» وحلفاؤها كل الغضب على مصر – في تصرف مغرض ومشبوه – بسبب الإغلاق المنطقي لمعبر رفح في حين تجاهلوا جميعاً التعسف الإسرائيلي في معبر أبو سالم، وفي المعابر التي تربط غزة بالأراضي المحتلة. لم تقدر «حماس» نعمة الأنفاق التي أتاحها مبارك، فانصبت عليهم اللعنات – اليوم – بإغلاقها.

حين خرج الشعب المصري ثائراً على الرئيس السابق محمد حسني مبارك، لم تكن سياسته الخارجية مسبباً رئيسياً للثورة، كان الغضب المصري منصباً على توحش وزارة الداخلية وخروجها عن القانون واستهدافها للحريات، استشراء الفساد، الأوضاع المعيشية والحديث عن التوريث في ظل تغييب آليات الديموقراطية السياسية وتعدديتها الفكرية.

يستطيع المتابعون للشأن المصري انتقاد الرئيس مبارك في سياساته الداخلية باستفاضة، لكن سياساته الخارجية عكست – بلا شك – خطاً وطنياً حريصاً على مصالح المصريين والعرب ومدافعاً عنها. لقد أنصفت تحولات السياسة المصرية بعد ثورة 25 يناير وخطوات تصحيحها بعد ثورة 30 يونيو السياسة الخارجية للرئيس مبارك.

المأمول من الرئيس عبدالفتاح السيسي، أن يحرص على الاقتراب من السياسة الخارجية لـ (مبارك) – مع الدعم الكامل لمسببات القوة الناعمة – مقدار حرصه على الابتعاد عن مسببات ثورة يناير التي جسدت المآخذ الحقيقية على السياسة الداخلية لمبارك وإن كان ورث غالبيتها من نظام ثورة يوليو.

بعودة مصر مع عبدالفتاح السيسي – في ظل اللحمة الداخلية – أصبح إحياء محور الاعتدال العربي مطلباً ملحاً ومسألة وقتية لتحقيق التوازن في المنطقة، لإعادة الاعتبار للمصالح الوطنية في مواجهة الميليشيات المسلحة ومن خلفها من القوى الخارجية التي تتفق جميعاً على العبث والمتاجرة بالقضايا العربية، واستهداف مصر والخليج، وبالتالي إضعاف العرب. 

* كاتب سعودي