التاريخ: آب ٢٦, ٢٠١٤
المصدر: nowlebanon.com
"داعش" على بعد خطوة - حازم الامين
جميع اللبنانيين تساءلوا في الأسابيع الأخيرة: هل من أفق لـ"داعش" في لبنان؟ وجوابي الشخصي، إذا ما سمحت لنفسي بإجابة متواضعة، هو: نعم! وإذا ما سمحنا لأنفسنا أن نستعير معادلة "الظروف الذاتية والظروف الموضوعية" من قاموس عتيق لا بأس أحياناً من الإستعانة به، فإن الشرطين، الذاتي والموضوعي متحققان في لبنان. هناك الـ"داعشي" اللبناني الفرد الذي يمتلك من المواصفات المشابهة لتلك المتوافرة في الـ"داعشي" العراقي والسوري والمغاربي والأوروبي، ولدينا، والحمد لله، الشرط المحلي الذي أنتجه، أي الشرط الديني والسياسي والطائفي والمذهبي.
 
وتلخيصاً لهذه الفكرة ربما كان مفيداً الخروج من المأزق النظري للفكرة، ولنسمي الأشياء بأسمائها. عليٌّ شاب غير سلفي من مواليد عام 1991 من منطقة القبة في طرابلس، هو وحيد لأمه، ووالده غادر إلى جهة مجهولة عندما كانت أمه حاملاً به، منخفض مستوى التعليم ويملك محلاً لبيع الهواتف الخليوية في منطقة أبي سمرا.
 
يُصلي أحياناً، لكنه شديد الإيمان وشديد الغضب على حال طائفته. يرتدي بنطلون جينز ويُطلق لحية خفيفة يعتني له بها صديقه الذي يعمل حلاقاً في شارع المعرض في طرابلس. وعليّ صديق طفولة وزميل مدرسة لمصطفى عبدالحي، الانتحاري اللبناني الذي نفّذ عملية في بغداد قبل نحو شهرين ضد هدف شيعي، ويقول عنه: "مصطفى بطل وأنا أخجل من أمه كلما أصادفها".
 
أمُّه بوصلة أساسية في حياته وفي خياراته، ويقول إن الأمهات يتقدمن على الآباء في الرأفة وفي الإيمان.
 
ليس حزبياً ولم يقاتل يوماً على محور باب التبانة ـ بعل محسن، لأنه يخاف على أمه، فهو وحيدها، والقصة على هذا المحور "مش محرزة". يقول إنه لم يتوظف في الدولة لأنه ليس شيعياً، ويُشعره نصر "داعش" في الموصل بتعويضٍ عن هزائم "أهل السنّة" في لبنان وسورية والعراق. فلسطين هي كليشيه ثابت قاموسه المحكي، لكنها بعيدة وغير ملحّة الآن. والجيش اللبناني بحسب ما يقول، يُسيطر عليه الشيعة و"حزب الله"، وهو يُحب أشرف ريفي ويكره نهاد المشنوق، ويعتقد أن "حزب الله" هو من طرد سعد الحريري من لبنان، ويرى أن سعد غير شجاع، ومن يُمثّله هم مشايخ "أهل السنّة" وليس نوابهم.
 
رأسه محشو بمحطات لطالما يُذكر بها. اغتيال الحريري الأب و7 أيار واشتباكات التبانة بعل محسن وسورية والعراق (فلسطين غير، لا تحضر إلا نادراً). أوقفته مخابرات الجيش ذات يوم ليس ببعيد بتهمة حمل السلاح، ولديه أصدقاء كثر في سجن رومية. وهو سمع من أحد الناشطين السلفيين أن الشيعي يحمل مدفعاً ولا يُعاقبه أحد.
 
هذا الشاب بعيد خطوة صغيرة عن "داعش"، تماماً مثلما هو بعيد خطوة مماثلة ولكن باتجاه آخر عن مصباح الأحدب وعن أشرف ريفي وعن نجيب ميقاتي. اجتياز الخطوة الصغيرة هذه سيحصل ما إن تُقدِم "داعش" على "إنجاز" مهم في لبنان. في عرسال مثلاً، حيث القابلية لـ"التدعشن" أضعف من القابلية الطرابلسية، جرى أن انخرط شبان عراسلة وآخرون من أبناء مخيمات اللاجئين، في القتال إلى جانب "داعش" و"النصرة" فور سيطرة التنظيمين على البلدة. فالقتال أشعل حماسة وخاطب فصام فتية وأخرج عنفهم الأصلي وصوّر لهم نصراً وشيكاً.
 
بعد الموصل وبعد عرسال، يعيش عليّ منتظراً انتصاراً مشابهاً. هو لن يخطو تلك الخطوة الصغيرة لوحده. عادة تتولى "داعش" الخطوة الأخيرة. هي من سيُبادر بعدما تولّت ظروف هائلة، لا علاقة لـ"داعش" بها، نقل هؤلاء الفتية من طفولتهم البائسة إلى فتوّتهم الشقية.

خطوة صغيرة وتصل "داعش" إلى عليّ.