التاريخ: آب ١٠, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
مراجعات خالد مشعل - ماجد كيالي
في أحاديثه الكثيرة التي ألقاها في السنوات الثلاث الأخيرة، طرح خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، عديد الأفكار التي تعتبر بمثابة خروج عن مألوف الخطابات الحمساوية المعهودة، والتي تتّسم بالجرأة قياساً إلى ذلك، أو بالمرونة وربما التطور، نسبة إلى مقاربتها التكيّف مع الواقع والعالم.

فقبل أيام وإبان العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، تحدث مشعل بصراحة عن تمييزه بين المدنيين في إسرائيل والمستوطنين في الضفة، وعن التفوق الأخلاقي للمقاومة التي لا تستهدف المدنيين، في حين أن إسرائيل تُمعِن في قتل الفلسطينيين المدنيين وتدمير عمرانهم، قائلاً: «شهداؤنا مدنيون وقتلاهم عسكريون». وأكد أن «المقاومة لا تستهدف، ولم تستهدف يوماً، المدنيين». بل ذهب ابعد من ذلك: «لا تقولوا لي إن المستوطنين مدنيون. هؤلاء يقيمون على ارض غير مشروعة لهم وهم مسلحون ويقتلون ويخربون... ومطالب حماس هي إنهاء الاحتلال وإنهاء الاستيطان ونزع سلاح إسرائيل».

هذه الأفكار هي بمثابة انقلاب على أفكار «حماس»، أو بمثابة مراجعة نقدية لها، ذلـــك أن الحركة عرفت دوماً برفضها هذا التمـــييز بين الإسرائيليين، إذ عندها لا يوجد مدنيـــون في إســرائيل، وتبعاً لهذه النظرة كانت تبـــنّت نهج العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية، لا سيما إبان الانتفاضة الثانية (2000-2004)، ناهيك عن انها لم تتحدث بلغة التفوّق الأخـــلاقي على إســـرائيل، ولم تكن تقبل بأي مقاربة تتضـــمن الاعتراف بها، أياً تكن.

لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل هذه مراجعة نقدية من «حماس» لوجهات نظرها السابقة، لا سيما في شأن عدم التمييز بين الإسرائيليين، وفي شأن العمليات التفجيرية- «الاستشهادية» في المدن الإسرائيلية؟ ثم هل باتت «حماس» تميّز، ولو لأغراض التكيّف مع الشرعية الدولية، بين واقع استعمار إسرائيل للأراضي المحتلة (1967)، وبين إسرائيل ذاتها؟ والأهم من كل ذلك، لا سيما مع غياب أي رد فعل من «حماس» على هذه التصريحات: هل باتت هذه الأفكار بمثابة ثقافة عامة لدى هذه الحركة، أم مجرد تعبير عن حالة مزاجية موقتة ولتوظيفات معينة؟

هذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها مشعل الانتباه بالأفكار التي يطرحها. ففي مقابلة أجرتها معه الإعلامية المعروفة كريستيان أمانبور، في قناة «سي إن إن» (21/11/2012)، قال مشعل: «أنا أقبل بدولة على حدود 1967، مع حق العودة للاجئين... أريد قيام دولة للفلسطينيين، وبعد قيامها ستقرر (هذه الدولة) موقفها (من إسرائيل). لا يمكن توجيه هذا السؤال لي (الاعتراف بإسرائيل) وأنا في السجون وتحت الضغط الصهيوني». وقال: «فلسطين من النهر إلى البحر... أرضي وحقي. ولكن بسبب ظروف الإقليم، وتوقاً إلى وقف الدماء، وافق الفلسطينيون، اليوم وفي الماضي، ووافقت «حماس»، على برنامج يقبل حدود 1967». أما عن اشكال النضال المعتمدة، وفي هذه المقابلة أيضاً، فطرح مشعل للمرة الأولى فكرة التمييز بين الإسرائيليين، بقوله: «المقاومة لا تستهدف المدنيين... أنا قائد «حماس» أقول عبر «سي. إن. إن.» نحن على استعداد لسلوك سبل سلمية من دون سفك دماء أو استخدام أسلحة إذا حصلنا على مطالبنا الوطنية».

وشرح وجهة نظره قائلاً: «ليس أمامنا إلا طريق من اثنين، إمّا وجود إرادة دولية من أميركا وأوروبا والمجتمع الدولي تدفع إسرائيل إلى مسار السلام وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 مع حق العودة، وهذا أمر محل توافق فلسطيني، وإما أن تواصل إسرائيل رفض ذلك فنستمر في خيار مقاومتها. أنا أقبل بدولة على حدود 1967، ولكن كيف يمكنني أن أقبل بإسرائيل وهي تحتل أرضي؟ أنا الذي أحتاج إلى اعتراف وليس إسرائيل».

وكان مشعل أثار الانتباه في أجواء اجتماع للمصالحة الفلسطينية، جمعه بالرئيس محمود عباس (القاهرة 25/11/2011)، في حديثه عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال «بكل أشكال المقاومة»، وضمنها المقاومة الشعبية والمسلحة. وقال: «وصلنا إلى الانتفاضة الأولى بفعل المقاومة الشعبية». وفي حينه اعتُبِر هذا الكلام بمثابة تطور جديد في مواقف «حماس»، في ما يتعلق بإدراكاتها لتعقيدات الوضع الفلسطيني، ولمحدودية القدرات الفلسطينية في المجال العسكري، وفي شأن حرصها على تسهيل المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني.

اللافت أن مراجعات مشعل لم تقتصر على قضية الصراع ضد إسرائيل، إذ شملت نظرته إلى طبيعة النظم العربية، وانتقاد سلطة حركته «حماس» ذاتها في قطاع غزة. ففي ندوة «الإسلاميون والديموقراطية» (الدوحة، 10/8/2012)، نبّه إلى ضرورة تمييز حركته من بين حركات الإسلام السياسي، في البلدان العربية الأخرى. فعنده، «حماس حركة تحرر وطني أولاً، وليست حركة إسلام سياسي فحسب». ووصل مشعل إلى حد توجيه النقد إلى طريقة ادارة حركته للسلطة في غزة، بقوله: «لم تعد هناك حالة يمكن أن تسمّى تجربة حكم إسلاميين في غزة. لكنّنا في «حماس» نشير إلى أننا خضنا التجربة ونتعلّم منها... أخطأنا في أشياء ونتعلم من ذلك... «حماس» حاولت الجمع بين المقاومة والسلطة... وهذا أمر صعب».

وفي هذا السياق ذهب مشعل إلى حد مطالبة القوى السياسية العربية، وضمنها حركات الإسلام السياسي، بأن تؤسس لنموذج معاصر للديموقراطية، موضحاً أن «هناك فرقاً بين موقع المعارضة والحكم، بين التخيّل والافتراض والمعايشة والمعاناة، وفرقاً بين الناقد والممارس». ورأى أن «على الإسلاميين الاعتراف بأن الحكم أعقد مما كانوا يتصورون»، وتوجه إلى الحركات السياسية الإسلامية وغيرها ونصحها بضرورة «التواضع في الوعود للناس وفي ادعاء امتلاك الحقيقة».

عموماً، تعكس هذه المقاربات، أو المراجعات، حال الازدواجية التي تعيشها «حماس»، في كونها حركة اسلامية وحركة تحرر وطني، وتعبر عن استعداد بعض التيارات الاسلامية للتكيف، او التصالح، مع الواقع والعالم، لا سيما مع انفجار هذه الحركات التي بدت، في غالبيتها، كأنها تنتمي الى الماضي اكثر من الحاضر، وتقطع مع العالم بدل أن تتواصل معه، والتي تظهر التطرف بدل المرونة والتسامح.

طبعاً، يمكن «حماس»، من موقعها كحركة تحرر وطني، وفي ضوء تعزّز مكانتها بعد حرب غزة، ان تشكل حالة متقدمة بين الحركات الاسلامية، لكن ذلك مرهون بقدرتها على تعزيز هذه الافكار في ادبياتها، وتحويلها الى ثقافة سياسية عامة في اوساطها.