التاريخ: آب ٩, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
قراءة هادئة في زوبعة "داعش" - صلاح أبوجوده
عقب توسّع داعش المفاجئ داخل العراق وسورية وإعلان الدولة الإسلاميّة والخلافة، سادت أوساط مراقبي أوضاع العالم العربيّ حالة ارتباك إن لجهة تفسير أسباب التطوّرات الدراميّة هذه، وإن لجهة قراءة فرص استمراريّة الدولة الإسلاميّة الجديدة.

في ما خصّ الأسباب، أوّلاً، يؤثر بعضهم قراءة المشهد قراءةً حدثيّة راهنة، فيعتبر أنّ داعش قامت عسكريًّا في سورية والعراق بما قام به الإخوان المسلمون سياسيًّا في مصر وتونس إثر الانتفاضات الشعبيّة، أي ملأت فراغًا ناتجًا من غياب السلطات المحليّة عن مناطق واسعة في البلدَين تسودها فوضى أمنيّة كبيرة بسبب صراع مجموعات مسلّحة مختلفة على النفوذ؛ فلا عجب بالتالي أن تسيطر المجموعة الأقوى. ويؤثر بعضهم الآخر ربط القراءة الحدثيَّة بتطوّر الظروف السياسيّة والاجتماعيّة في العراق منذ إمساك حزب "البعث" بالسلطة، مرورًا بالثورة الإيرانيّة والاجتياح الأميركيّ ووصولاً إلى حكم نوري المالكي. ذلك أنّ حكم "البعث" في ظلّ أحمد حسن البكر ومن بعده صدّام حسين، همّش شيعة العراق بل واضطهدهم، ولا سيّما في أعقاب الثورة الإسلاميّة في إيران التي شجّعت مرجعيّات دينيّة شيعيّة كثيرة في العراق على المطالبة بالعدالة والمساواة. غير أنّ الأوضاع بدأت تنقلب لصالح الشيعة عقب الاجتياح الأميركيّ. فما لبثت المواجهات المذهبيّة أن اتّخذت خطًّا تصاعديًّا خصوصًا منذ العام 2007، وشهدت تفاقمًا خطيرًا بعد انتخابات 2010، وتسلّم المالكي رئاسة الوزراء بدعم من إيران. وقد تزامن التغيير هذا وإخفاقات حكوميّة وبرلمانيّة في اتّباع سياسة مصالحة وطنيّة، ومكافحة الفساد المستشري في إدارات الدولة والقضاء والقوى المسلّحة، والعجز عن حلّ مسألة المناطق المتنازع عليها. فسخط الأوساط السنيّة أخذ بالازدياد لما لحق بها من تهميش وإهمال وظلم، خصوصًا وأنّ المالكي لجأ إلى قطع مخصّصات "الصحوات" التي كانت طوال سنوات سندًا للحكومة في وجه "القاعدة" ومتفرّعاتها، ومن ثمّ قضى عليها. فهذه السياسة خلقت في العديد من الأوساط السنيّة، وبوجه خاصّ عند العشائر، جوًّا مؤاتيًا للتحالف مع "داعش ". لذا، نجد مَن رأى في التحوّلات الأخيرة انتفاضةً سنيّة أكثر منها دعمًا لتنظيم "داعش" الذي، بصفته متفرّعًا من "القاعدة"، ثبَّت وجوده اجتماعيًّا وعسكريًّا في مناطق عراقيّة متعدّدة منذ سنوات طويلة، بحجّة مقاومة الاحتلال الأميركيّ والذود عن أهل السنّة، بل وبادر أيضًا إلى فرض الضرائب وإخضاع المؤسّسات الرسميّة لسلطته منذ العام 2006، بحيث تحوّل في مناطقه إلى دولة داخل الدولة. وهنالك، أخيرًا، مَن يُضفي على الطفرة "الداعشيّة" الراهنة بُعدًا إقليميًّا ودوليًّا، إذ يستبعد هؤلاء قدرة تنظيم محليّ بإمكاناته الماليّة والبشريّة المحدودة، أن يتوسّع بسرعة مذهلة من دون سند مخابراتيّ خارجيّ، بل ودعم ماليّ وعسكريّ. فأشار بعضهم بإصبع الاتّهام إلى النظام السوريّ بالتنسيق مع حكومة المالكيّ وإيران، لأنّ "داعش" أضعفت كثيرًا قدرات المعارضة السوريّة العسكريّة، وأشار بعضهم الآخر إلى تركيا التي تريد قطع تواصل طهران وبغداد ودمشق، وتطمح إلى الاضطلاع بدور إقليميّ رائد، وغيرهم أشار إلى قطر التي تبحث عن طريقة لتعويض خسارتها حكم الإخوان المسلمين في مصر، أو إلى السعوديّة لما لـ"داعش" من قدرة على مواجهة الخطر الإيرانيّ، وحتّى هنالك مَن لمـَّح إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة التي تريد تفتيت المنطقة على أساس دينيّ وعرقيّ، خدمةً لمصالحها ومصالح إسرائيل.

في ما خصّ فرص استمراريّة "الدولة الإسلاميّة" أو شروط زوالها، فمن المراقبين مَن يعتبر أنّ إعلان الدولة هذه يفتقد إلى الجديّة، ولا يمثّل إلاّ مسرحيّة ستنتهي بمجرّد استعادة الحكومة المركزيّة في بغداد زمام الأمور. فالمناطق التي قامت عليها "الدولة الإسلاميّة" تُعتبر مناطق قتاليّة لن تعرف الاستقرار. فضلاً عن أنّ تنظيم "داعش" ليس القوّة العسكريّة الوحيدة على أرض دولته، بل ثمّة قوى سنيّة أخرى ليس تحالفها مع التنظيم سوى ظرفيّ، ولا يمكن أن تتبنّى نهجه التكفيريّ والعنفيّ. وفي الاتّجاه عينه، يعتبر بعضهم أنّ دولة "داعش"، إن استمرّت على المدى المتوسّط، فذلك سيصبح تدريجيًّا محصورًا في بعض مناطق العراق حيث نشأ التنظيم أصلاً. فالبيئة السنيّة السوريّة لن تقبل حكم "داعش"، وينسحب الأمر عينه على الأوساط السنيّة في باقي البلدان التي يريد التنظيم ضمّها إلى دولته. ومن مكان آخر، ليس من دعم خارجيّ، على الأقلّ علنيّ، للتنظيم، وبالتالي من الصعب جدًّا أن يتمكّن من الاستمرار من دون دول تعترف به. وأخيرًا، لا يعكس إعلان "الدولة الإسلاميّة" والخلافة برنامجًا واضحًا لـ"داعش. ففي العمق يفتقر التنظيم إلى فلسفة أو أيديولوجيا، ويبدو كمن يبحث عن دور له يجهله إلى الآن.

غير أنّ هنالك مَن يرى أنّ تنظيم "داعش" يُرسي فعليًّا في مناطق سيطرته بين حلب وديالى في العراق، أسس دولة من خلال المحاكم ونظام الضرائب والخدمات الاجتماعيّة والطبيّة والأمنيّة، بالرغم من أنّ تطوّر هذه الأسس وترسّخها يرتبط باستمرار نجاح "داعش" عسكريًّا، وقدرته على تأمين تأييد قاعدة شعبيّة واسعة له، وتأمين مصادر تمويل دائمة وكافية. وفي هذا السياق، يجري الكلام على جهد التنظيم لاستثمار حقول النفط والغاز والأراضي الزراعيّة التي استولى عليها، إضافة إلى استثماره أموال المصارف التي صادرها، وأموال الفديات التي حصّلها مقابل إطلاق سراح المخطوفين، والأموال التي يربحها من تجارته بالسلاح والآثار العراقيّة والسوريّة.

في ضوء ما تقدّم، يبدو أنّ ما من أمر مؤكّد بشأن زوال "الدولة الإسلاميّة"، لا سيّما في ظلّ عجز حكومة بغداد - بالرغم من تحالفها المستجدّ مع البشمركة- في استعادة المناطق التي خسرتها مؤخّرًا، وفي ظلّ عدم قدرة حكومة دمشق والمعارضة السوريّة على طرد "داعش" من المناطق التي يسيطر عليها، وبسبب عدم استعداد الولايات المتّحدة الأميركيّة وحلفائها في الغرب للتورّط مباشرة في معركة خلفيّتها صراع سنيّ - شيعيّ. وسيبقى المشهد الحاليّ عسكريًّا بامتياز، ويتّخذ شكل معارك كرٍّ وفرّ، ولعلّه يتغيّر قليلاً لصالح حكومة بغداد إذا تمكّنت إيران من إقناع المالكي بالتنحّي، والمجيء برئيس وزراء جديد قادر على كسب تأييد العشائر السنيّة أو معظمها. وفي المقابل، من شبه الثابت أنّ نشاط دولة "داعش" المنظّم لن يتجاوز المناطق التي يسيطر التنظيم عليها في العراق وسوريا. وستبقى طموحاته للتمدّد إلى بلدانٍ أخرى محصورة بمساعيه لاستمالة الحركات السلفيّة الجهاديّة التي قد تصبح مستعدّة للتعاون معه، خصوصًا مع اتّخاذ المواجهة الدائرة في العراق وسوريا طابعًا مذهبيًّا وعرقيًّا.

لذا، بانتظار مسار الأمور السياسيّة والميدانيّة في العراق وسوريا، يبقى تحلّي المرجعيّات السياسيّة والروحيّة في الدول الأخرى التي يسعى "داعش" إلى بلوغها، بحسّ المسؤوليّة الوطنيّة، وتبنّيها ووسائل الإعلام خطابًا معتدلاً يدعو إلى التسامح وقبول التعدديّة وعدم التورّط في نزاعات المنطقة المذهبيّة، ضرورة لا بدّ منها لإبعاد الخطر التكفيريّ ونتائجه العنفيّة. وفي المقابل، يطرح الحدث "الداعشي" أسئلة جوهريّة على الفكر السياسيّ العربيّ والإسلاميّ بعد إخفاقات انتفاضات الربيع العربيّ: ألا يكشف الحدث "الداعشي" عن وهن الكيانات الوطنيّة وهشاشة حدودها الجيوسياسيّة؟ ألا يُظهِر ذلك الحدث، وإن بطريقة عنيفة، التفكير المذهبيّ الذي لم يفارق ذهن الإنسان العربيّ؟ ألا ينتج الحدث "الداعشيّ" من ممارسة سياسيّة زبائنيّة وفاسدة تفتقر إلى أبسط مفاهيم الخير العامّ والمواطنة والعدالة، بقدر ما ينتج من سياسات الغرب العشوائيّة؟ ألا يبيِّن الحدث هذا أيضًا عجز الفكر السياسيّ الإسلاميّ، في شقَّيه الشيعيّ والسنيّ، عن تطوير نظام حكم يتماشى وطموحات الإنسان العربيّ للعدالة والكرامة والديموقراطيّة؟ أليس كلّ هذا، بالنتيجة، المأساة التي يعيشها العالم العربيّ منذ نهاية الإمبراطوريّة العثمانيّة؟ عندما كتب خالد محمّد خالد كتابه الشهير بعنوان "من هنا نبدأ" في العام 1950، ودعا فيه إلى فصل الدين عن الدولة، قامت القيامة عليه ولم تقعد إلى أن أعلن "توبته" التي صارت محطّ فخرٍ في أوساط الفكر السياسيّ الإسلاميّ التقليديّ. فهل يمكن هذه الأوساط أن تقول لنا اليوم: من أين نبدأ؟

استاذ في جامعة القديس يوسف