التاريخ: نيسان ٢٠, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر: تشريح الزمان الفوضوي! - السيد يسين
عشنا جميعاً بعد عزل الرئيس محمد مرسي وإعلان المشير السيسي خريطة الطريق أياماً مجيدة حقاً، تمثلت في انتهاء لجنة الخمسين من صوغ دستور جديد، وتم الاستفتاء عليه بنسبة عالية، وشرعنا في الخطوة الثانية وهي الانتخابات الرئاسية، والتي ستبدأ بعدها الانتخابات النيابية وبذلك يكتمل البناء الدستوري الجديد.

غير أن جماعة الإخوان المسلمين لم تقبل الحقيقة الواقعة والتي مؤداها أن الجماهير التي سبق أن شاركت في انتخاب الدكتور مرسي هي التي خرجت غالبيتها للانقلاب على حكم الإخوان! بعبارة أخرى نزول الجماهير بالملايين الى الشوارع في "30 يونيو" كان في حقيقته انقلاباً شعبياً دعمته القوات المسلحة، منعاً لحدوث إحتراب أهلي بين جماعة الإخوان وخصومها.

غير أن جماعة الإخوان المسلمين لم تقبل الحقيقة المرة، أنها في الواقع فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة شؤون البلاد، وأخطر من ذلك أنها بحكم عقيدتها "الأممية" عرّضت الأمن القومي المصري لخطر بالغ، كما أنها -بحكم إقصائها القوى السياسية كلها - قامت بإحداث انقسام رأسي في المجتمع يتمثل في أنصار الجماعة من ناحية، وهم أقلية، وغالبية الشعب المصري وهم الأكثرية.

عدم التسليم بالفشل الذي تحقق، والعجز عن ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها قادة الجماعة أدى إلى إصدارهم الأوامر لأتباعهم بنشر الفوضى والتخريب في الشوارع والمدارس والجامعات. وانتقلت موجات الرفض من مجرد تظاهرات سلمية، قد تكون مشروعة، إلى تظاهرات مسلحة يستخدم فيها المولوتوف والخرطوش، وتحولت المتظاهرات لتصبح موجات إرهابية متوالية تركز على اغتيال قادة الشرطة والقوات المسلحة وزرع القنابل لتنفجر في الجماهير العريضة.

وإذا أضفنا إلى ذلك تظاهرات اتحادات شبابية مختلفة ضد قانون التظاهر ومحاولة خرقه بالقوة، ورفض الأحكام القضائية التي صدرت بحق من خالفوا القانون من قادتهم، فمعنى ذلك أننا في الواقع انتقلنا من الزمان الثوري بكل إيجابياته، بالرغم من بعض السلبيات، إلى الزمان الفوضوي بكل مظاهره السلبية ونزعاته التخريبية، مما يلقي بظلال كثيفة من الشك حول تحول البلاد في المدى القصير والمتوسط إلى نظام ديموقراطي مستقل.

ومن هنا يثور سؤال مهم يتعلق بالعوامل التي أدت إلى إنبثاق هذا الزمان الفوضوي.

لا يمكننا فهم ما حدث في مصر المحروسة منذ "25 يناير" حتى الآن إلا إذا اعتمدنا على ثلاثية أساسية تركز عليها العلوم الاجتماعية المعاصرة في دراستها مختلف الظواهر لتحديد أسبابها وتجلياتها وتحولاتها، وهي دراسة الشخصية والثقافة والمجتمع.

ونحن نعرف أن أحد التخصصات المعروفة في جامعات العالم هو مبحث الثقافة الشخصية، والذي يتضمن نظريات تفسيرية مهمة، كما أن دراسة المجتمع موضع اهتمام علوم اجتماعية متعددة أهمها على الإطلاق علم الاجتماع.

ونحن حين نتحدث أولاً عن الشخصية لا نعني الشخصيات الفردية لأعضاء المجتمع ولكن نعني أساساً ما يطلق عليه "الشخصية القومية" National character ، وحين نتحدث عن الثقافة فنحن لا نتحدث بوجه عام ولكن عن ثقافة مجتمع محدد في لحظة تاريخية ما.

ونريد أن نقدم ملاحظات مبدئية عن الشخصية المصرية باعتبارها تندرج تحت مبحث الشخصيات القومية في العالم لنرصد تحولاتها عبر الزمن، والأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى هذا التحول.

يستخدم مصطلح الشخصية القومية بوجه عام لوصف السمات النفسية والاجتماعية والحضارية لأمة ما، وخصوصاً تلك التي تتسم بثبات نسبي والتي يمكن من طريقها التمييز بين هذه الأمة وغيرها من الأمم.

غير أن هناك باحثين يرفضون استخدام هذا المفهوم وينتقدون البحوث التي تجري تحت مظلته باعتبارها غير علمية لغلبة التحيز على الباحثين في هذا الميدان، في حين أن هناك باحثين آخرين يعتمدون عليه اعتماداً مباشراً في معرف سلوك الشعوب، كما فعلت حكومة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية حين كلفت الباحثة الأنثروبولوجية الشهيرة روث بندكت موضع كتاب عن "الشخصية اليابانية" لكي تعرف كيف تتعامل مع الشعب الياباني بعد هزيمة اليابان العسكرية. وأنجزت هذه الباحثة كتابها الشهير "زهرة الكريزانتيم والسيف" إشارة منها إلى اختلاط الوداعة وحب الطبيعة مع النزعة للعدوان في شخصية اليابانيين المعاصرين.

وبحوث الشخصية القومية – في نظر بعض النقاد- تتسم بالعنصرية لأنها تميل إلى رفع شأن شعب ما والخفض من قدر شعوب أخرى. تماما مثلما فعل النازيون حين قدسوا الأصل الآري واعتبروا باقي الأجناس أقل قدراً، وكما يفعل الإسرائيليون الصهاينة في تقديس أصولهم العرقية والحط من قدر الشعب العربي.

والواقع أن هذه الانتقادات قد تكون صحيحة إذا ما غالى الباحثون الذين يستخدمون مفاهيم الشخصية القومية في اعتبار نتائج بحوثهم وكأنها قوانين عامة تتسم بالثبات ولا يمكن دحضها، أو إذا ما خالطت نبرات عنصرية أحكامهم على شعوب أخرى غير الشعب الذي ينتمون إليه. وإذا عدنا إلى ما بدأنا به عن أهمية تشريح فكرة الزمان الفوضوي من خلال دراسة الشخصية القومية والثقافة العربية والمجتمع المصري، فليس أمامنا سوى تأمل التحولات الجذرية التي لحقت بالشخصية المصرية وتحولها من "الشخصية الفهلوية" التي تبدت في هزيمة يونيو 1967 إلى "الشخصية الإيجابية" التي ظهرت أمام العالم في حرب أكتوبر 1973، إلى "الشخصية الثورية" التي بهرت العالم في 25 يناير 2011 وأخيراً إلى "الشخصية الفوضوية" التي سادت المشهد السياسي بفعل الإرهاب والمظاهرات التخريبية بعد 30 يونيو 2014.