التاريخ: نيسان ٢٤, ٢٠١٣
الكاتب:
المصدر: موقع الوطن المصري
من الثورة للسياسة.. من السياسة للثورة
كانت ثورة يناير ثورة «شعبية» بمعنى الكلمة، شارك فيها كل المصريين، أما اليوم فلا يحق لأى طرف سياسى أن يدعى لنفسه أو لسياساته ميزة التعبير عن «الشعب» كله. كان الاستفتاء على الدستور منذ أربعة شهور هو آخر مؤشر رسمى لاتجاهات المصريين؛ أقل من الثلثين (63,8%) قالوا نعم؛ جزء منهم فقط يمكن اعتباره مؤيداً للرئيس وللتيار الإسلامى، أما الجزء الآخر من هذه النسبة فصوت لصالح ما كان يُعتقد أنه «الاستقرار». فى المقابل صوت أكثر من الثلث بلا للدستور (36,2%)، أى ضد الرئيس وتياره، دون أن يعنى ذلك بالضرورة أن هذه النسبة كلها تؤيد «جبهة الإنقاذ». اهتزت صورة الرئيس والإخوان بشكل واضح، خلال الشهور الأخيرة، كما تبدو الصورة السياسية لـ«جبهة الإنقاذ» غامضة ومرتبكة. ثمة إحساس متزايد بالغموض والقلق والاكتئاب والتشاؤم؛ وهو ما يترجم سياسياً إلى حالة من عدم القدرة -بل وعدم الرغبة- فى تأييد هذا التيار أو ذاك.
 
تم استغلال توكيلات بعض الأهالى للفريق السيسى للادعاء بوجود «توافق شعبى» على استدعاء الجيش للعودة للحكم. وفى مواجهة إضراب قوات الشرطة والأمن المركزى، سارع التيار الإسلامى بتشكيل لجان من أنصاره وتحت أعلامه وشعاراته، إلا أنه حرص على تسميتها «اللجان الشعبية» مدعياً التعبير عن الشعب فى مواجهة أى تلويح بنزول الجيش للشارع بدعوى حفظ الأمن. فى هذا المناخ من الاستقطاب الحاد وانسحاب الكتلة الشعبية الأكبر من السياسة، لا يمكن لأحد ادعاء التعبير عن «الشعب»؛ ليس للثوريين أو جبهة الإنقاذ أن يتوقعوا استجابة واسعة لشعار إسقاط الرئيس -مهما كانت أخطاؤه- من شعب نصفه تقريباً -أقل أو أكثر- من مؤيدى التيار الإسلامى. فى المقابل ليس للرئيس أيضاً أن يتوقع تأييداً جارفاً لدعوته لثورة على مؤسسات الدولة، من شعب نصفه تقريباً متوجس أو رافض لسياساته وسياسات حزبه وجماعته.
 
قد يكون من المفيد لسلامة الانتقال الديمقراطى فى مصر، أن يتوقف الجميع خلال هذه المرحلة عن ادعاء تمثيل «الشعب»، وأن يتفقوا على شرعية واحدة هى أهداف ثورة يناير، وعلى أن أوان القرارات الثورية قد ولى، وأن المصلحة الوطنية اليوم تقتضى الانتقال من حالة «الثورة» وأساليبها لحالة السياسة وأعرافها، وأولها التوافق واحترام التعددية فى المجتمع وقواعد الديمقراطية فى الممارسة السياسية والعمل على إصلاح مؤسسات الدولة، لا هدمها واختراقها وصبغ كوادرها البشرية بلون سياسى معين. يتطلب هذا الهدف الأخير توافق القوى الوطنية على الخط الرفيع الفاصل بين ما يمكن أن تعتبره المعارضة والشعب «أخونة»، وما يمكن أن يعتبره الإخوان وبعض الإسلاميين «فزاعة الأخونة»، ما هى النسبة الذهبية العادلة لوجود الإخوان -باعتبارهم فى السلطة- فى الوزارات والمؤسسات العامة؟ هل يحظى المرشح الإخوانى لموقع قيادى فى الدولة بالمؤهلات المناسبة للمنصب، أم أن الهدف هو الهيمنة ولو على حساب مصلحة الوطن؟ كان «التوريث» أيام مبارك هو المقابل السياسى لـ«الأخونة» اليوم، ولكن الأول كان توريثاً لفرد أما الأخونة فهى توريث لفصيل كامل يضع نفسه فوق الشعب. إذا لم يتخل الإخوان عن «الأخونة» كمنهج فى العمل، فإنهم يقدمون للشعب المصرى سبباً جديداً للتوحد ويضطرونه للتحول مرة أخرى من حالة السياسة لحالة لثورة.