التاريخ: شباط ٤, ٢٠٢١
المصدر: موقع النهار العربي - لبنان
كيف ينظر الشباب المصري لثورة "25 يناير" في ذكراها العاشرة؟
القاهرة- ياسر خليل
 
مرت 10 سنوات كاملة على ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وخلال هذا العقد، انجلت حجب الزمان شيئاً فشيئاً، وتكشفت بعض الحقائق التي كانت خفية أو مخفية، فبات المشهد أكثر وضوحاً مما كان عليه، وأصبح الشباب الذي كان أيقونة هذا الحدث التاريخي، أكثر نضجاً ووعياً، ومن ثم تغيرت نظرته للثورة، وأحداثها، ونتائجها النهائية.

كان الملايين من هؤلاء الشباب يتجمعون معاً في مسيرات ضخمة، من دون قيادة موحدة، وبلا معرفة مسبقة، ويهتفون من أعماق قلوبهم: "عيش... حرية... عدالة اجتماعية"، فيبدو هتافهم المتناثر في شتى ربوع #مصر، كصوت رجل واحد يزلزل الشوارع والميادين، ويملأ القلوب بالأمل في غد أفضل.

وحين نزلت القوات المسلحة المصرية إلى الشوارع والميادين بعرباتها المدرعة وقواتها المدججة بالسلاح، بعدما صعّد المتظاهرون من مطالبهم ونادوا بإسقاط نظام الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك، لم يشكك هؤلاء الشباب لحظة في أن الجيش المصري الذي يحظى بمصداقية كبيرة لدى المصريين، بأنه جاء لحمايتهم، فاستقبلوه بهتافات "الجيش والشعب أيد واحدة".

بعد تخلي مبارك عن السلطة في 11 شباط 2011، بدأت أمور لم تكن في الحسبان تتجلى في العلن، ومنها محاولات "الإخوان المسلمين" وحلفائهم من تيارات الإسلام السياسي الأخرى اختطاف الثورة، والاستحواذ على السلطة.

الوحدة التي كانت تجمع المصريين شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساء، مسلمين ومسيحيين، خلال الأيام الأولى من الثورة، ضربتها الفتن التي بثها الإسلاميون داخل المجتمع المصري، وظلت الأوضاع مضطربة لسنوات بعد دخول الإسلاميين للساحة السياسية، واستمر الحال على النحو ذاته بعد انكشاف الوجهة الحقيقية لتلك الجماعات، وإطاحة "الإخوان المسلمين" من السلطة في ثورة 30 حزيران 2013.

نظرة الشباب

الأحداث المتلاحقة، والمفاجآت غير المتوقعة، والنتائج غير المتوافقة مع التصورات، جعلت المشهد مربكاً، وربما دفعت البعض إلى إعادة النظر لما قام به، لذا سأل "النهار العربي" عدداً من الشباب الذين شاركوا في الثورة: لو عاد الزمان بكم الآن عشر سنوات إلى الوراء، هل ستشاركون في ثورة "#25 يناير"؟

يقول الأديب الشاب أحمد ثروت لـ"النهار العربي": "لقد شاركت في 90 في المئة من الأحداث منذ 25 كانون الثاني، وحتى 30 حزيران، ولو عاد الزمان بي سوف أكرر ما فعلته مجدداً. هذه الثورة، رغم الخسائر الكثيرة التي مرت بها، علمتني الكثير، وأضاءت عقلي بشكل كبير".

ويضف ثروت: "لقد تم استخدامنا لتحقيق أغراض سياسية لأصحاب المصالح، ورغم ذلك أنا مستعد للمشاركة مجدداً طالما أن لدينا هدفاً مشتركاً".
وعن المراجعات التي أجراها الأديب الشاب مع نفسه خلال السنوات العشر الماضية يقول: "كان لدي قدر صغير من الثقة في الإسلاميين منذ ما قبل الثورة، لكن بعدها لم يعد لدي أي ثقة بهم، خصوصاً بعدما تكشفت لي حقيقة الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل (الداعية السلفي وثيق الصلة بـ"الإخوان")، وبعد أحداث شارع محمد محمود الدامية".

الصحافي محمد علاء كان له موقف مغاير، فهو يؤكد: "لو عاد بي الزمن فلن أشارك بالثورة، لأن نجاح أي شيء له مجموعة من المعايير، وحين أنظر إلى الصورة كاملة، لا أجد أياً من هذه المعايير كان متوفراً لدينا".

ويرى علاء أن "الشعب لم يكن قادراً على تجاوز الخاص من أجل العام، ولم يكن البديل الكفء جاهزاً لشغل رحيل مبارك عن السلطة، ولم تكن لدينا رؤية واضحة للبناء بعد الهدم، كذلك لم تكن لدى الجماهير أيديولوجية موحدة تجمعهم".

ويضيف: "أن النسيج الاجتماعي لم يكن يسمح بالخلاف أو الاختلاف من دون أن يتمزق، ولم تكن لدينا قوة للتصدي لأصحاب المصالح، ومنعهم من اختراق المشهد، ولم تتوفر حيل لاستمرار الأوضاع الاقتصادية مستقرة وسط كل هذه الأعاصير".

غالبية الشباب الذين سألناهم كانت لهم مواقف مشابهة لما ذهب إليه ثروت أو علاء، كانوا مؤيدين لـ"25 يناير" كفكرة، ومختلفين حول نتائجها النهائية، ومدى جدوى المشاركة فيها.
نسبة أقل ترفض الثورة بشكل كامل، وبعضهم كان يتمنى أن ينتقل الحكم من مبارك إلى من يخلفه بطريقة سلسلة، ومن دون اضطرابات سياسية وأمنية كالتي تعرضت لها مصر، أو تعطيه الجماهير المهلة التي طلبها (6 شهور) كي تتجنب الدولة الخسائر الفادحة التي تكبدتها بسبب وصول الإسلاميين إلى السلطة.

"الثورة نجحت"

ويرى المؤرخ وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة حلوان شريف يونس: "أن الشباب الذين يؤيدون المشاركة في الثورة ولديهم بعض التحفظات على مسارها، وكذلك من يندمون على المشاركة بها، هم يتحفظون أو يندمون للسبب ذاته، وهو أن الثورة لم تكن منظمة، أو مستعدة، أو لها قيادة تتزعمها، لكن اللافت للنظر هو أن هذا هو السبب ذاته الذي قاد الثورة إلى النجاح".

ويضيف يونس: "كانت الثورة تعبّر عن حالة غضب عام، ولم تكن هناك قيادة أو قيادات لو تم القبض عليها، تنتهي التظاهرات، لهذا يمكننا القول بأن ما يتصور البعض بأنه كان سبباً في خسارة الثورة، هو ذاته ما كان عاملاً من عوامل نجاحها في بدايتها".

ويؤكد أستاذ التاريخ أن "(25 يناير) لم تكن تهدف في الواقع إلى تغيير جذري، ولا إلى تطبيق أيدلوجية معينة، ولكنها كانت تهدف إلى الإصلاح، وهذا يتجلى في هتافها الرئيسي (عيش، حرية، عدالة اجتماعية). كان هناك هامش حرية (في عهد مبارك)، وكان المطلوب هو هامش أكبر، ولم تكن العدالة الاجتماعية كافية، وطالبت الثورة بأن تكون مساحة العدالة الاجتماعية أكبر".

ويقول يونس: "لم تهدف الثورة في الواقع إلى إسقاط النظام الحاكم برمته، ولم يستطع النظام التصدي لها كاملة، ومن ثم كان المخرج العملي الوحيد هو الوصول إلى حل وسط، وهذا الحل لم يأتِ بالمساومة على الطاولة، ولكنه تحقق شيئاً فشيئاً بتطور الأحداث".

لقد تبيّن مع مرور الوقت أن القضية الأساسية، حسب رأي المؤرخ المصري هي "بناء الدولة المصرية، وليس هدم النظام الحاكم، أو الحريات، وهذا بدا جلياً منذ وصول الرئيس (المصري عبد الفتاح) #السيسي إلى السلطة. لقد كانت الدولة مهترئة تماماً في السنوات الأخيرة من عهد مبارك".

ويشير يونس إلى أن "الدولة الآن هي أقوى كثيراً مما كانت عليه، سواء من الناحية العسكرية، أو الاقتصادية، أو حتى بنيتها التنظيمية. وإلى جانب هذا فقد فعلت الثورة أمراً بالغ الأهمية، وهي أنها كشفت الإسلاميين أمام الناس، والبسطاء والأميين منهم، كما أطلقت قوى متحررة فكرياً تعمل حتى اليوم، وتطرح مناقشات فكرية وثقافية، لم يكن من الممكن طرحها من قبل. الثورة نجحت من زوايا عديدة، وسيتجلى أثرها في تقوية بنية الدولة، والاستنارة الفكرية لمواطنيها على المدى الطويل".