التاريخ: آذار ٢٦, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
مطالبات بمحاسبة مقربين من بوتفليقة ومنع تسريب أموالهم
حمروش رفض المشاركة في مرحلة انتقالية تمهّد لاختيار رئيس
الجزائر: بوعلام غمراسة
في حين طالب محامون جزائريون من النائب العام فتح تحقيق حول شبهات فساد تخص رموز النظام، استمرت الاحتجاجات أمس بالعاصمة وفي غالبية الولايات للضغط على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بهدف حمله على الاستقالة، قبل نهاية ولايته الرابعة في 28 من الشهر المقبل.

ووجه المحامي الشهير والناشط السياسي، مقران آيت العربي، بلاغاً للنائب العام بالعاصمة، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، ذكر فيه أن المظاهرات الضخمة ضد النظام، المتواصلة منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، «طالبت بمتابعة ومعاقبة رؤوس الفساد، الذين خربوا اقتصاد البلاد».

ورأى المحامي أنه «ينبغي تجسيد هذا المبدأ في الواقع، عن طريق فتح تحقيق ضد الذين سرقوا أموال الشعب وتقديمهم إلى العدالة. وهذا الإجراء، كما تعلمون لا يستوجب شكوى من أحد، بل يقتضي فقط تطبيق المادة 36 من قانون الإجراءات الجزائية».

وتقول المادة إن النيابة «تأمر باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للبحث والتحري عن الجرائم المتعلقة بالقانون الجزائي، ومنه قانون الوقاية من الفساد ومحاربته الصادر سنة 2006».

وقال المحامي مخاطباً النائب العام: «إنكم تعرفون رؤوس الفساد وتعرفهم أجهزة الأمن، كما يعرفهم الشعب. فالشعب يدافع عن مصالح المجتمع ضد كبار المفسدين، والنيابة تنتظر التعليمات من أشخاص تورطهم في الفساد مؤكد. وتعلمون أن القانون يلزمكم بصفتكم رئيس النيابة العامة، بمطالبة وكيل الجمهورية بمنع الذين يمكن متابعتهم بجرائم الفساد من مغادرة التراب الوطني، وفتح تحقيق ضدهم، وتقديمهم للمحاكمة».

وأضاف آيت العربي، الذي كان مديراً لحملة المرشح الرئاسي اللواء المتقاعد علي غديري: «القانون يسمح بمتابعة رؤوس الفساد من دون شكوى، فماذا تنتظر النيابة العامة لتطبيق القانون على المفسدين استجابة لمطالب الشعب الشرعية والمشروعة؟ غدا سيفوت الأوان».

يشار إلى أن الرئيس بوتفليقة ألغى انتخابات البرلمان التي كانت مقررة في 18 من الشهر المقبل، وحل الحكومة في سياق الاحتجاجات الشعبية ضده.

الحراك يردد أسماء متهمين بالفساد
ولم يذكر آيت العربي من يقصد بالتحديد، بخصوص المشتبه بهم في قضايا فساد، لكن الأسماء التي يرددها الحراك الشعبي كل يوم جمعة، تتعلق بمقرَبين من الرئيس، وأبرزهم رجل الأعمال علي حداد مموَل حملاته الانتخابية في الاستحقاقات الماضية، والملياردير رضا كونيناف، نجل صديق بوتفليقة أيام ثورة التحرير، ومحيي الدين طحكوت، مالك شركة لتركيب السيارات وفضائية.

وأصدرت نقابة محاميي العاصمة، التي ينتسب إليها نحو ألفي محام، بياناً تحدث عن «عمليات مصرفية مشبوهة تتم حالياً تتمثل في تحويل أموال ضخمة إلى الخارج، وهي محصلة عقود وصفقات ذات مصالح متناقضة مع المصلحة العامة، وأصحابها من المتسببين في الأزمة التي يعيشها الوطن».

ودعا رئيس النقابة عبد المجيد سليني، محافظ البنك المركزي إلى «حفظ أموال الشعب الجزائري، فهي تحت مسؤوليتكم، وأنتم مطالبون بالحؤول دون تمكين هؤلاء من نهب المال العام، بفرض الرقابة الصارمة على كل العمليات المصرفية واتخاذ كل التدابير والإجراءات الاحترازية، لمنع كل المحاولات الهادفة إلى تهريب المال العام، مع مراعاة حسن سير التعهدات المالية مع الخارج إلى حين تنصيب الدولة الشرعية المرتقبة».

وأضاف: «ندعو السيد محافظ البنك المركزي الجزائري، وكل رؤساء المؤسسات المصرفية إلى الامتناع عن تمرير وتسديد كل الصفقات أو العمليات التجارية، التي تخدم المصالح الخاصة».

ونشرت صحف في الأيام الأخيرة معلومات عن «مقربين من الرئيس»، من بينهم رئيس الوزراء المستقيل أحمد أويحيى، تناولت بيع أملاكهم وعقاراتهم في البلاد، بغرض تحويل أموالها إلى الخارج. وقالت إن ذلك تم بدافع الخوف من مصادرتها، في حال سقط النظام. كما قالت إن رجال أعمال يريدون مغادرة البلاد. وتعج المنصات الرقمية الاجتماعية، في الوقت الحالي، بشائعات عن رجال من النظام جرى منعهم من السفر. ويتم تداول أسماء عدة وزراء وشخصيات سياسية عرفت بتحمس شديد لترشح بوتفليقة لولاية خامسة.

وحول هذا الموضوع، قال أستاذ العلوم السياسية محمد هناد: «من أهم المظاهر التي ميزت الحراك الشعبي، هو خروج رجال القانون في مسيرات عبر الوطن. لكن من حق أي مواطن، اليوم، أن يسأل هؤلاء عن عدم تنديدهم بالفساد من قبل، بل إن الكثير منهم كان ضالعا فيه دون حرج. شخصياً، بالنظر إلى أهمية فئة القضاة، في التغيير المنشود، أتمنى لو يُقدِم المحامون والقضاة على الاعتذار من الشعب على سكوتهم عن الفساد فيما مضى، وحتى على تورط بعضهم فيه ولو بحجة الضرورة أحيانا. لقد أسهم سلك القضاء، سواء بالسكوت أو التورط، في جعل الفساد نظاما قائما بذاته، ولا شك أن اعترافا بالذنب من هذا القبيل سيعطي الحراك الشعبي زخماً جديداً».

عودة جدل نفوذ «المخابرات القديمة»
من جهته، أعلن رئيس الوزراء سابقاً مولود حمروش (1990 - 1991)، أمس، رفضه المشاركة في «مرحلة انتقالية»، اقترحها نشطاء بالحراك، تمهيداً لتنظيم انتخابات رئاسية. وهذه الترتيبات، ستطلق حسب مقترحيها، بعد استقالة الرئيس بوتفليقة المحتملة.

وطرح عمار سعداني أمين عام «جبهة التحرير الوطني» (أغلبية) سابقا، 3 أسماء مؤهلين لرئاسة مرحلة انتقالية، هم: عبد المجيد تبوَن وعبد العزيز بلخادم وهما رئيسا وزراء سابقين، إضافة إلى حمروش.

وفجر سعداني قنبلة بقوله إن «أويحيى وجماعته هم مهندسو مشروع العهدة الخامسة، وأويحيى هو من كان يكتب رسائل الرئيس (المنسوبة له وتضمنت قرارات كبيرة) وهو من يعمل على تدمير سمعة بوتفليقة وإنجازاته لكي يستولي على أنقاضها».

وقال أيضا إن جهاز المخابرات السابق الذي تم حلَه في 2015، «هو من يحكم البلد عن طريق أويحيى وهو قوة خفية مشكّلة من تلاميذ الجنرال توفيق (مدير المخابرات السابق)، وتساندها قوى استعمارية خارجية».
وفي سياق تطورات الحراك المعادي للنظام، خرج أمس إلى شوارع العاصمة والمدن الكبيرة، الآلاف من عمال وموظفي الإدارة الحكومية، احتجاجاً على استمرار الرئيس في الحكم. ورفعوا شعارات مطالبة بالتغيير ووقف الضغوط التي يتعرضون لها في الشغل، بسبب انحيازهم للغضب الشعبي.

متطوعون يتبعون المتظاهرين لتنظيف الشوارع في الجزائر
الاثنين 25 مارس 2019 
الجزائر: «الشرق الأوسط»

«لم تكن شوارع الجزائر العاصمة نظيفة كما هي منذ بداية الاحتجاجات»، يقول نسيم وهو واقف أمام محله بعد جمعة أخرى من التظاهر ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ويرجع الفضل في ذلك إلى الكثير من المتطوعين الذين ينظفون المكان بعد انصراف المتظاهرين.

وكل مساء يوم جمعة بعد نهاية عدة ساعات من التظاهر، لا يبقى من مرور الحشود الكبيرة إلا أكياس القمامة المليئة عن آخرها مركونة بعناية في زوايا شوارع العاصمة.

ومنذ الدعوات الأولى للاحتجاج في الجزائر عبر الشبكات الاجتماعية بالشعار الشهير «سلمية، سلمية» ثم أضيف شعار «حضارية»، وفي جميع أنحاء البلاد تمت دعوة المحتجين لجلب أكياس القمامة للحفاظ على نظافة الشوارع.

ووصلت الرسالة للكثير من الشباب الذين خرجوا للتظاهر في 22 فبراير (شباط) أول جمعة من سلسلة المظاهرات المتتالية - وهو حال سمير، طالب في علم الأحياء يبلغ من العمر 23 عاماً، حيث قال: «أخذت كيس قمامة في المنزل وفعل صديقي الشيء نفسه. وقمنا بجمع قوارير المياه والأوراق المرمية بشكل أساسي، بينما كنا نسير».

وذكر هشام (22 عاماً) أنه في «أول جمعتين» من التظاهر «نظفنا تلقائياً، الكل على حدة».
وقال الشاب، الذي يعمل في النظافة أصلا بما أن مهنته غسل السيارات: «ساعدنا السكان المجاورون لمكان التظاهر بالمكانس وأكياس القمامة».
ثم تنظم الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي فانضم سمير إلى مجموعة «الشارات الخضراء»، أما هشام فالتحق بـ«السترات البرتقالية».
ويقدم هؤلاء المتطوعون أيضاً الإسعافات الأولية، ويسهرون على السير الحسن للموكب أو يوجهون المتظاهرين التائهين.

وأوضح أمين (23 عاما) وهو يعمل في مجال الاتصال «نريد أن ننقل صورة السلمية والمواطنة» عن الاحتجاج. وكان الشاب يرتدي «سترة برتقالية» ويلبس قفازات وهو بصدد ملء كيس القمامة بعد نهاية المسيرة.
وفي حي «تيليملي» تشكلت لجنة حي يرأسها نبيل موهوب (40 عاما) وهو من يهتم كل جمعة بتوزيع السترات البرتقالية التي حصل عليها من بلدية الجزائر الوسطى وأكياس القمامة.

وأوضح «كل جمعة نقوم بملء أكثر من 150 كيس قمامة من الحجم الكبير بكل أنواع الفضلات في شارع كريم بلقاسم فقط» وهو الشارع الرئيسي للحي.

وكان هذا الشارع، الذي تطوقه الشرطة كل جمعة لمنع الوصول إلى محور يؤدي إلى الرئاسة، شهد مواجهات بين مئات المتظاهرين ورجال الأمن، على هامش المظاهرة السلمية.

وعندما تصد الشرطة بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، المتظاهرين الرافضين للتراجع، يتبعهم على بعد أمتار قليلة جيش من السترات البرتقالية لإزالة الأحجار والمقذوفات وكل المتاريس أو القمامة من الشوارع.

ويقدم السكان والتجار المجاورون للشارع في بعض الأحيان، خراطيم المياه، حتى أن الأمر لا يستغرق أكثر من ساعتين حتى يسترجع الحي مظهره الطبيعي.

وعلى بعد شارعين أو ثلاثة أسفل الحي، انتهت المظاهرة دون تسجيل حوادث، لكن هناك أيضا ينشط المتطوعون لتنظيف المكان.

وقام يونس (23 عاما)، من مجموعة «الشارات الخضراء»، بإعادة المرور عبر المسار و«جمع الكثير من الأشياء: قارورات بلاستيكية وعلب بسكويت فارغة وعلب سجائر، وأكواب كرتونية... وأحيانا يتم العثور على أشياء غير عادية مثل مقبض باب».

وبعد نهاية المسيرة من أجل «التغيير» وبعد انصراف أغلب المتظاهرين، يساعد بعض الشباب، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، والأعلام الوطنية على ظهورهم المتطوعين الذين ينظفون الشوارع من أي قاذورات.

ويتعاون بعض الشباب لشراء الأكياس، بينما يطلب آخرون من المتظاهرين المساعدة المالية، فيستجيب هؤلاء بكل سرور. وبعد إسعاف أحد المتظاهرين سقط أرضا، عادت سمية (25 عاما) من مجموعة «السترات البرتقالية» إلى التقاط كيس القمامة قائلة: «لا نريد نفايات لا في الشارع ولا في الحكم».