|
ليست الديمقراطية حكم أغلبية عددية تمارس السلطة انطلاقا من تفوقها العددي، ولا هي آلية ابتكرت لإخضاع الأقلية إلى الأغلبية، ودفعها إلى الاستسلام و القبول بمنطق القوي. بل إن الديمقراطية الحقيقية التي تمنح للمجتمعات الاستقرار، هي تلك التي تتوفر على آليتين اثنتين أساسيتين وهما التعددية و التراضي، إذ بدونهما يكون من الصعب الحصول على التوازن الضروري لضمان الاستمرارية
لقد أصبحت صفة التعددية ملازمة للديمقراطية، حيث بات من البدهي قبول تنوع المجتمع السياسي، واعتبار الاختلاف عنصر قوة يسهل التفاعل بين مختلف القوى، بل يساعد على وجود بنيات كثيرة تتوخى حماية الحقوق والمصالح، وتحويلها إلى اختيارات سياسية تستحضر عند عملية وضع السياسات العامة. كل ذلك يفرض وجود نوع من التراضي أو الاتفاق حول مجموعة من القيم الاجتماعية والسياسية الأساسية، المرتبطة بالنظام السياسي. ولعل الأهمية الكبرى لذلك تتجلى في انتشار الاعتدال في المواقف السياسية، واستبعاد العنف كاختيار وآلية للعمل،مما يضمن للمجتمع في نهاية المطاف الاستقرار.
ولتحقيق ذلك لابد من توافر مجموعة من الشروط أبرزها: l اعتماد الدستور كمرجعية لكافة الفاعلين، فيها تحدد الحقوق و تضبط الواجبات؛ l تحقيق التناوب أو التداول على السلطة بشكل سلمي وسلس، وتحويله إلى ممارسة اعتيادية؛ l اللجوء المستمر إلى الحوار والتفاوض بين مختلف القوى الموجودة في المجتمع، التي تتبادل الاحترام، وتسعى إلى البحث عن الالتقائية والتركيز على ما يجمع أكثر مما يفرق؛ مع توافر هذه الشروط يكون البناء الديمقراطي قد اكتمل، وأصبحت له آليات تعطي لقاعدة الأغلبية معنى، وتجعلها مقتصرة على ما لم يتم الاتفاق أو التراضي حوله.
كان لابد من هذا التقديم النظري، قبل مقاربة المجال السياسي بالمغرب بعد دخول الدستور حيز التنفيذ، ذلك أن الحكومة الحالية ممثلة في وزير الداخلية، التي فرض عليها السياق السياسي التحول إلى حكومة تصريف أعمال، دشنت منذ مدة سلسلة من اللقاءات مع الأحزاب السياسية، يتم فيها تدارس المنظومة القانونية الخاصة بالانتخابات، والسعي إلى البحث عن تحقيق نوع من التوافق حولها. وإذا كانت هذه الممارسة ذات قيمة مضافة للتراكم السياسي الذي حققه المغرب، فإنها أيضا بمثابة تجسيد للمقاربة التشاركية والتأكيد على أنها لم تكن مقتصرة على إعداد الدستور، بل هي آخذة في التحول إلى ممارسة اعتيادية، يمكن أن تحول الديمقراطية التشاركية إلى واقع عملي، يجعل منها مرتكزا أساسيا للعمل السياسي. غير أن الخروج الإعلامي لبعض الأحزاب السياسية عقب بعض هذه اللقاءات، حيث تتحول أجواء الود التي تنقلها عادة كاميرات التلفزة، إلى تبادل التهم والتهم المضادة، فيدب الشك في آلية التفاوض والحوار وتطفو على السطح مسألة التشكيك في الانتخابات كتهمة جاهزة يتم تقاذفها بين بعض الفاعلين السياسيين.
لقد أكدت هذه الممارسة أن التمرن على الآليات الديمقراطية التي تمت الإشارة إليها أعلاه يتطلب المزيد من الوقت، والكثير من التحسيس، فإذا كان ضمان حقوق المعارضة شرطا لازما للديمقراطية كي لا تتحول إلى آلية تفتك فيها الأغلبية بالأقلية، وهو ما أكد عليه الدستور بشكل صريح لا يقبل التأويل، خاصة عندما أناط بها مهمة رئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع، فإن الأحزاب السياسية الكبرى بالمغرب لم تعر أية أهمية لذلك، وبقيت في الكثير من الأحيان تناقش مقتضيات هذه القوانين انطلاقا من قوتها، ومن البحث عن كيفية الاستفادة أكثر ما يمكن من المسلسل الانتخابي، في حين إن مرحلة البناء المؤسساتي الجديد، تقتضي نهج مقاربة أخرى تستحضر الظرفية، و تستتمر الديناميكية السياسية التي شهدها المغرب مؤخرا، للتحفيز على المشاركة في الانتخابات، التي تعتبر اليوم أكبر تحد على الأحزاب السياسية رفعه، وعدم الاكتفاء في هذا المجال بتوجيه اللوم إلى جهات أخرى.
لقد كان على الأحزاب السياسية بمختلف مشاربها، أن تسعى إلى تفعيل مضامين الدستور، قبل أن تبادر إلى ذلك وزارة الداخلية، وتصدر مثلا وثيقة تتعهد فيها بأنها ستفعل مبدأ المناصفة في الانتخابات، من خلال تخصيص نصف وكلاء اللوائح للنساء، على أن تكون العضوية في كل اللوائح موزعة بالتساوي بين الجنسين، وأن تتعهد على أن يكون معدل عمر المرشحين يميل إلى الفئة العمرية التي تشكل الأغلبية حسب نتائج الإحصاء الوطني، أكنا سننتظر في هذه الحالة، إلى أن تعد وزارة الداخلية مشاريع القوانين المتعلقة بالانتخابات، لنطلق العنان لنقاش يكون في بعض الأحيان عقيما، يعيد الماضي ويستحضر ممارساته أكثر مما يستوحي مقتضيات الدستور الجديد؟
أناط الدستور بالأحزاب السياسية أدوارا مهمة تتوخى بناء ديمقراطية سليمة، تتمحور حول المجتمع، أكثر مما تدور حول السلطة، فهل ارتقت الأحزاب المغربية إلى مستوى المسؤولية وأدركت أن الظرفية ليست مواتية مثلا لتحويل العتبة الانتخابية إلى آلية للإقصاء؟ إن التركيز في هذه المرحلة من الضروري أن ينصب على البناء المؤسساتي، وتحصينه بشكل جيد، الأمر الذي لن يتعزز إلا إذا شاركت فيه أغلب القوى السياسية، قل أو كبر شأنها، حتى ولو جاء ذلك على حساب المصلحة الحزبية الضيقة، خاصة وأن التناوب من المفروض أن يتحول في إطار الدستور إلى ممارسة اعتيادية، لا يخشى معها من كان في السلطة من بطش المعارضة التي حلت محله، وتلك هي الميزة الحسنة للديمقراطية.
أستاذ بجامعة محمد الخامس السويسي
|