التاريخ: أيلول ٢١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الثورة على الثورة - جمال فهمي

لم يعد هناك أحد تقريباً النخبة السياسية المصرية يجادل الآن في سوء إدارة المجلس العسكري، الذي ورث الشتاء الماضي سلطة الحكم المطلق من حسني مبارك، للمرحلة الإنتقالية الراهنة. الجدل يدور فقط بين الأفرقاء اللاعبين على المسرح السياسي حول درجة هذا السوء وحجمه ودوافعه، وهل هو مقصود ومتعمد أم مجرد جهل وفقر في الخبرة والمهارة.


لقد صار لهذا الجدل أدوات لفظية شائعة ومتعددة، فالذين لا يزالون يفترضون حسن النية في العسكر ويرون أنهم يعانون فحسب مظاهر عدم الجاهزية للحكم، الأمر الذي يفسر غياب الرؤية والحس السياسيين، هذا الفريق يستخدم في وصف سلوك الجنرالات نعوتا من نوع "الأداء العشوائي" و"انخفاض الكفاية"، وقد يقسو بعضهم إلى درجة وصف الحال بأنها "فشل ذريع"، ومع ذلك تبقى تلك العبارات وأمثالها تحمل في طياتها إقراراً واضحاً ببراءة القصد والنيات السليمة.


غير أن من لا يرون شيئاً من هذه البراءة نحتوا من اللغة عبارات ومصطلحات أخرى شتى راحوا يدمغون بها المجلس العسكري سراً وعلناً أيضاً، آخرها وصفه بأنه "مجلس قيادة الثورة المضادة" أو مجلس قيادة الثورة على "ثورة 25 يناير" إلخ...
هذا الفريق الناقم على العسكر إلى درجة شيطنتهم أضحى يكسب بمرور الوقت أنصاراً جدداً ويكدّس يوماً بعد يوم في ترسانة حججه أدلة لا حصر لها على صدق وصوابية تحليله القائل إنّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان جزءاً أصيلاً من نظام مبارك الساقط، ولذا فهو يبدو شديد الإخلاص لنهجه وتوجهاته الأساسية.


أما أحدث ما أضيف إلى ترسانة ذاك الفريق فهو تلك اللطمة القوية التي وجهها الى كل القوى والأحزاب السياسية يميناً ويساراً، عندما أبلغ قادتهم وممثليهم صراحة، للمرة الاولى، رفضه القاطع المطلب النادر الذي توحدوا عليه ألا وهو إصدار مرسوم تشريعي يفرض عزلاً سياسياً موقتاً (خمس سنوات) على رموز النظام السابق وقيادته وحزبه المنحل (الحزب الوطني) بل أكثر من ذلك فإن لجنة شؤون الأحزاب الرسمية سرعان ما فاجأت الجميع الأثنين الماضي بقرارها منح رخصة الشرعية لحزب يدعى "الاتحاد" الذي يتزعمه الدكتور حسام بدراوي آخر أمين عام لحزب مبارك!
هذا النبأ استقبله الطاعنون في "الذمة الثورية" للمجلس العسكري بكلام كثير خلاصته: ألم نقل لكم إن السلوك السياسي للجنرالات مدى الأشهر الثمانية الأخيرة يؤكد سعيهم إلى إعادة إنتاج نظام الديكتاتور المخلوع، وإن مرتدياً أسماء وأسمالاً أخرى؟!