التاريخ: أيلول ١٧, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
أقليّات! - نصير الأسعد

ثمّة كذبةٌ كبيرة شائعة وهي أنّ النظام البعثّي القائم في سوريّا علمانيّ!.

والحالُ أنّ جناحاً من "البعث السوريّ" إمتطى – منتصف ستينات القرن الماضي – الطائفة العلويّة ليقيم في الواقع نظاماً طائفياً. وكانَ هذا النظامُ على الدوام طيلةَ خمسة وأربعين عاماً غير طبيعي من زاوية حكم أقليّة طائفيّة موصوفة لبلد ذي أكثريّة طائفيّة موصوفة هي أيضاً. و"التغيير" الذي أقدم عليه حافظ الأس في خريف 1970 – في ما سُمّي الحركة التصحيحيّة – أنّه كرّس حكم أقليّة ضمن الأقليّة، حكم أسرته من الطائفة على البلاد ليقوم في نهاية حياته بـ"توريث" إبنه بشار الحكم في سوريّا.

ومسيرةُ هذا النظام منذ نهاية 1970، أي منذ واحد وأربعين عاماً، تفيدُ أنّه نظام تحكمه أسرة هي نفسها أقليّة ضمن أقليّة طائفيّة، أي نظامٌ أسرويّ طائفيّ أقلويّ.

 

وطوال عقود "غطّى" هذا النظام نفسه وغطّى شراسته ووضعه غير الطبيعيّ، بعناوين القوميّة العربيّة التي سعى من خلالها إلى مخاطبة الأكثريّة المسلمة في المنطقة، وإلى التأسيس لموقع له في هذه المنطقة. غير أنّ نظام الأسد الأب والإبن، كان في واقع الأمر "قومياً سورياً" في الإيديولوجيا، إذ آمن بـ"سوريّا الكبرى" وسعى إلى إقامتها بالفعل. والإطار الإقليمي لحركة نظام الأسد في العقود الأربعة المنصرمة كانَ ضمن ما يُسمّى "سوريّا الكبرى" أي الدول التي يعتبرها "الفكر القومي السوري" متحداً في ما بينها، تشكّل معاً بلاد الشام: لبنان وفلسطين والأردن خصوصاً. ولذلك كانت علاقات هذا النظام متوتّرة دائماً مع لبنان وفلسطين والأردن.. وإن كان لبنان وفلسطين أكثر من دفع ثمن مشروع الإستتباع السوريّ لهما.

 

اليوم، وفي ظلّ الأزمة التي يواجهها نظام الأسد في الإطار الداخليّ (ثورة الشعب السوريّ عليه) وفي الإطار الخارجيّ (إنهيار البعد الإقليميّ أي إنهيار سوريّا الإقليميّة)، لا يخطئ النظرُ في إستنتاج أنّ هذا النظام يتراجع أو ينكفئ.. أو يعود إلى المربّع الأوّل، إلى المربّع العلويّ.

فبعدَ شهور من محاولته إستدراج الثورة السوريّة إلى العنف وإلى الدائرة الطائفيّة، يحاولُ بشار الأسد "توحيد" الطائفة العلويّة ويعمل على تسليحها.

 

لكنّه يعرف أو يفترضُ به أن يعرف أنّه إذا كان يستطيع أن ينجح في تسليح فئات من العلويين، فهو لا يستطيع أن ينجح في توحيدهم، في وقت تنتشر فئاتٌ واسعة من العلويين في صفوف الثورة، وفي وقت يعبّر مشايخ ووجهاء من الطائفة ومثقفوها عن وعي مختلف لأهميّة قيام سوريّا الديموقراطيّة التعدديّة بحماية دولة مدنيّة. وبالرغم من كلّ ذلك، يبدو أنّ بشار الأسد يعرف أمراً واحداً هو الدم والمزيد منه، ولذا فإنّه يخطو بسرعة نحو ما يعتبره "خطّ دفاعه" الأخير: تسليح العلويين والقتال بهم. كما يبدو أنّ بديلاً لـ"سوريّا الكبرى" أو "سوريّا الإقليميّة" يراودُه، وهو "سوريّا الصغرى" أي الدويلة. لكن ما ينبغي أن يُقال في هذا المجال يتعلق بأمرين: أوّلهما أنّه عندما تصبحُ جهة ما في مسار إنحداريّ من هذا النوع فهي حتماً في لحظاتها الأخيرة، وثانيهما أنّ زمن الدويلات ولّى، وفي سوريّا تحديداً بالإعتبارات الجيو- سياسيّة قبل كل شيء.


إنّ المقدّمات السالفة تهدفُ إلى رسم مسار النظام القائم في سوريّا: من المربّع العلويّ – الأسرويّ إلى المدار الإيديولوجي ممثلاً بـ"سوريّا الكبرى".. فإلى المربع العلوّي الأصغر مجدداً وأخيراً.

وفي ضوء تلك المقدّمات وبالصلة معها، لا مفرّ من مقاربة ما طُرح في الآونة الأخيرة عن خوف للأقلّيات من التحوّلات الجارية في المنطقة العربيّة وفي سوريّا تحديداً، وعن خوف مسيحيّ من نتائج المتغيّرات على الرقعة السوريّة بالذات.

 

فقد أتت المقدّمات لتدخص أكذوبة علمانيّة نظام الأسد وتسامحه مع الأديان وحمايته لها، ولتثبت أنّ هذا النظام طائفي من أصله، وإستخدم الطوائف "ديكورات" عندما تدعو الحاجة. لكنّها - اي المقدّمات – أتت لتقول إنّ ثمّة مفارقة في أن ينوجد في هذه اللحظات طرحٌ مسيحيّ يدافع عن "بقاء نظام نعرفه بدلاً من جديد نتوقع تشدّده"، فيما يعود النظام المذكور – يائساً - إلى المربّع الطائفيّ – المذهبيّ الأوّل.

 

وأكثرُ ما يثير الريبة من طرح مسيحيّ يفترضُ حمايةً للمسيحيين من خارج الديموقراطيّة والحريّة والتعدّد والدولة المدنيّة (التي تنادي بها الكنيسة)، ليس فقط أنّ الجنرال ميشال عون هو من حمل هذا الطرح ومارسَه في السنوات الماضية، بل ما يحتملَه هذا الطرح من فكرة "تحالف الأقليّات".

 

لقد رفضت الكنيسة المارونيّة على الدوام، لكن بشكل واضح تماماً في وثائق المجمع البطريركي 2006 كلّ الثنائيّات والثلاثيّات الطائفيّة وغيرها.. ورأت في "تحالف الأقليّات" كارثة موصوفة، خصوصاً وأنّ الطائفة المارونيّة ترفض أن تسيّرها فكرة أنّها أقليّة أصلاً. وقد جُرّب "تحالف الأقليّات" عبر العقود الماضية فأنتج خراباً.. فكيف بـ"تحالف أقليّات" في لحظة إنتقال النظام في سوريّا من موقع "الأقليّة المقنّعة" إلى موقع الأقليّة على المكشوف. هذا مع العلم أنّ عون هوَ من يمارس هذا التحالف.. بل هوَ يراه مشروعاً مستقبلياً إذ يخرجُ من "أجوائه" حديثٌ عن دولة علويّة – مارونيّة – شيعيّة بين سوريّا ولبنان تكون جواباً على المتغيّرات السوريّة والعربيّة (!).

 

بيدَ أنّ أكثر ما يدعو إلى "الألم" فعلاً من بعض طروحات الخوف المقترنة بخروج عن ثوابت الحريّة والديموقراطيّة وغيرها، هو أنّ هذه الطروحات تضعُ المسيحيين خارج الأصل الذي بدأوا منه. أي أنّ المسار المسيحيّ مناقض لمسار النظام في سوريّا أساساً.

 

فالمسيحيّون بدأوا مع لبنان الكبير ودافعوا عنه وتبنوه ورفضوا "الوطن المسيحيّ الصغير"، أي لم تحكمهم عقدة أقليّة. وفي فترة من الزمن، وفي ظروف الحرب الأهليّة التي تحكّمت بها أوضاع وحسابات معيّنة، تصرّف بعض "المسيحيّة السياسيّة" على أساس تنظيم الكانتون مرحلياً للعودة إلى الـ10452 كلم2، وفي بعض الأحيان بدا الكانتون خياراً سياسياً للبعض. لكن الكنيسة و"المسيحيّة السياسيّة" وقفتا بجانب إتفاق الطائف الذي انهى الحرب الأهليّة ووضع صيغة لتأكيد العيش المشترك الإسلامي – المسيحيّ. أي أنّ المسيحيين الذين بدأوا بلبنان الكبير عادوا إلى لبنان الكبير بعد فترة مربكة.. وهذا مسار مختلف لمسار نظام الأسد. فلماذا يريد بعض أصحاب الطروحات المستجدّة نقل المسيحيين إلى مربّع أقلّوي أسقطهم فيه الجنرال "العظيم"!؟.

 

والمقصود قولُه هنا هو إنّ ثمّة هواجس قد تكون مفهومة وتقتضي تواضحاً بينَ المعنيين. لكن التواضح كي يكون فعلياً وجدياً لا يمكن أن يستعمل أحد للوصول إليه "عدّة شغل" من الماضي، تماماً لأنّه تواضح مطلوب لمستقبل ديموقراطيّ تعدّدي. ثمّ إنّ من ينتصرون في إطار التحوّلات الجارية ليسوا طائفة في ذاتها.. ليسوا أبناء المذهب السنّي، إنّهم شعوب معظمهم من المسلمين فما المشكلة؟.

إنّ حديث البطريرك الماروني بشارة الراعي بين حين وآخر عن "عقد جتماعي جديد"، خطير ربطاً بمقولات الأقليّات والحماية والخوف ألخ..

 

إنّ هذا الإقتران يضع هكذا حديث في خانة الإبتعاد عن "العيش المشترك" لمصلحة "العيش المتجاور" في أحسن الأحوال.. وليس من حال حسنة هنا على أيّة حال. إنّ إتفاق الطائف لا يزال راهناً من زاوية فكرة "العيش المشترك" ومن زواياه المتعدّدة، وينبغي أن ينصبّ الحوار على تطبيقه وتعزيزه وعلى حسن تنفيذ مقوّماته، لا على إلغائه.

 

بين بعض الطروحات المسيحيّة على إيقاع التطوّرات في سوريّا وبين المسار الإنحداري لنظام آل الأسد، لا بدّ من التنويه بالمواقف الصادرة عن رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط. فجنبلاط يمثّل بالمعنى الطائفي أقليّة طائفيّة، لكنّه يرى مستقبلها مرتبطاً بالمستقبل الديموقراطيّ للمنطقة، ويراه في الدولة المدنيّة التي تحترم التعدّد ويرفض "تحالف الأقليّات" بشكل قاطع. إنّه يفكّر في المستقبل برؤية مستقبليّة، ولا يتعاطى بـ"بضاعة" فكريّة – ثقافيّة ماضويّة. وتلك ميزةٌ تتطلّب من الجميع أن يتمتّع بها.