التاريخ: أيلول ١٤, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الذريعة... - جمال فهمي

على رغم أن العداء الشعبي الشديد لإسرائيل والتوجس والنفور شبه الغريزي من أي شيء ينتسب اليها، كلها أمور تعد من حقائق الواقع المجتمعي والسياسي في مصر التي لا تقبل جدلا أو تشكيكا، وعلى رغم أن بركان الغضب من الممارسات والعربدات الإسرائيلية جاهز دوما للتجاوب مع أي محفز أو مثير يفجر حممه المحبوسة في الصدور.
ومع أن حادثة من نوع إقدام قوة من الجيش الإسرائيلي الشهر الماضي على اختراق الحدود وقتل ستة جنود مصريين، تعد محفزا ومحرضا نموذجيا، خصوصا وأنها حصلت هذه المرة بعدما جرب المصريون بنجاح ساحق قوتهم حين يخرجون إلى الشوارع، إذ عندما هبوا في الشتاء الماضي واحتشدوا في شوارع البلد وميادينها أجلوا عن مقعد السلطة رئيسا رقد هو وأسرته ونظامه على صدورهم ثلاثة عقود كاملة وضعته ضمن قائمة أطول حكام مصر بقاء في السلطة.


على رغم كل هذه الحقائق فإن كثيرين لم يقتنعوا بأن اقتحام بضع عشرات من الفتية الصغار الجمعة الماضي مقر السفارة الإسرائيلية في القاهرة المحروسة والمحمية على مدار الساعة بجيش جرار مسلح بأقوى العتاد، كان عملا تلقائيا من جماهير غاضبة لم يشف غليلها رد الفعل الرسمي على حادث قتل العسكريين المصريين حتى لو كان هذا الرد بدا أقوى كثيرا مما كان يحدث في السابق حيال حوادث وارتكابات إسرائيلية مماثلة.


هؤلاء الذين يبدون الشك علنا في براءة وطبيعية عملية الاقتحام وخلوها من شبهة استدراج صبية صغار متحمسين للقيام بها وتسهيل نجاحها، يدعمون شكوكهم بأمرين أساسيين، أولهما التراخي الأمني غير المعهود ولا المتناسب مع القسوة والمواجهات الدموية المروعة التي شهدها محيط السفارة، عقب هبوط الصغار من الشقة التابعة للسفارة وانتهت في صباح اليوم التالي بحصيلة ثقيلة من الضحايا تجاوزت الألف جريح وأربعة قتلى.


أما الأمر الثاني الذي يغذي الشعور بالريبة في ما حدث في تلك الليلة "العصيبة" كما وصفها بيان المجلس العسكري الحاكم، فهو سلسلة الإجراءات والتهديدات والقرارات التي أعلنها المجلس في بيانه وأهمها "تفعيل" قانون الطوارئ السيئ السمعة، بل استخدام سلطة التشريع التي يملكها العسكر حاليا، في إصدار مرسوم بتعديل بعض مواد هذا القانون بما يجعل دائرة القمع تتسع تشمل الصحافيين والإعلاميين الذين يتهمهم الجنرالات بممارسة "التحريض ونشر شائعات وأخبار كاذبة".
باختصار... هناك قطاع واسع من النخبة المصرية (يمينا ويسارا) بات على يقين أن "السماح" باقتحام السفارة المكروهة من الجميع كان بهدف اختراع "ذريعة" للهروب من الأزمات ومظاهر الفشل السياسي في إدارة مرحلة الانتقال الحالية نحو الديموقراطية ... عن طريق استدعاء بعض أسوأ أدوات الديكتاتورية.