التاريخ: أيلول ١٠, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مسيحيو الشرق والانتفاضات العربية - محمد السماك

الخيار المرّ الذي يواجهه مسيحيو الشرق بين الأنظمة الاستبدادية والتطرف الديني يتناقض مع الأدوار التاريخية التي قاموا بها والتي ساهمت في النهضة العربية الحديثة.

يبدو ان مسيحيي الشرق في حيرة من أمرهم ازاء الانتفاضات الثورية التي تجتاح العالم العربي. وتنطلق هذه الحيرة من أمر ذي وجهين متكاملين. الوجه الأول هو ان هذه الانتفاضات تثور على أنظمة استبدادية. وانها تحاول استعادة حقوق الانسان العربي في الحرية والكرامة والحقوق الانسانية العامة الاخرى، ومنها حق المشاركة في صنع القرار الوطني.


ويعاني مسيحيو الشرق، كما يعاني مسلمو الشرق، استبداد هذه الأنظمة وانتهاكاتها المتمادية لحقوقهم الأساسية، ولذلك فانهم لا يستطيعون من حيث المبدأ إلا أن يكونوا ليس فقط الى جانب هذه الانتفاضات الثورية، بل في أساسها أيضاً. وثمة سوابق تاريخية ثلاث مماثلة:
¶ الانتفاضة العربية ضد التتريك.
¶ الانتفاضة العربية ضد الاستعمار الأوروبي (الفرنسي والبريطاني).
¶ الانتفاضة العربية ضد الاحتلال الصهيوني.
لم يكن مسيحيو الشرق مجرد مشاركين في تلك الانتفاضات، بل كانوا قياديين فيها ولها. ولذلك فانهم لا يستطيعون اليوم إلا ان يكونوا جزءاً من الانتفاضات الجديدة ضد الاستبداد الداخلي الذي عانوه طويلاً كسائر المواطنين العرب. ومن أبرز علامات هذه المعاناة الهجرة المسيحية من بعض دول المنطقة.


ان أهمية المشاركة الجامعة لكل مكونات المجتمع دينياً ومذهبياً وحتى عنصرياً في هذه الانتفاضات، تؤكد ان الشعوب في الدول العربية أخضعت للاستبداد ولم تخضع له، وانها تالياً تمتلك الارادة الذاتية للتخلص منه، وانها لا تعاني قابلية الخضوع للاستبداد. والمسيحيون هنا ليسوا استثناء، بل انهم بحكم ثقافتهم في أساس هذه القاعدة.


أما الوجه الثاني للحيرة المسيحية فانه يرتسم من خلال عدم وجود بديل واضح أو حتى مجرد تصور راجح لما بعد النظام الاستبدادي الذي ينتفض الناس للتخلص منه. وتصل بهم الحيرة الى حد القلق من احتمال أن تشكل هذه الانتفاضات رافعة لقوى اسلاموية متطرفة للوصول الى السلطة. ان لهذا القلق ما يبرره، بل ان انكاره هو تجاهل لتطور يمكن أن يفرض نفسه. ولا يكفي المسلمين أن يقولوا للمسيحيين لا تقلقوا حتى يتبدد القلق، بل لا بد لهم من القيام بعمل ما يساعد على ازالته، ان لم يكن على تبديده.


في الاساس إن ما يجري في بعض العالم العربي هو انتفاضات شعبية وليس انقلابات عسكرية. فالانقلاب يأتي بقيادة جاهزة، وببيان أول جاهز، وبرؤيا للحكم جاهزة أو مجهزة. أما الانتفاضة الثورية، فانها ليست عملية تغيير من فوق، انها عملية اجتثاث لنظام استبدادي من جذوره وهي حركات لا تملك بطبيعتها لا قيادة ولا برنامج عمل. كل ما تملكه هو الشعارات العامة بالحرية والكرامة ومحاربة الاستبداد ومكافحة الفساد. وبقدر ما تشكل هذه الشعارات قوة دفع لها، فانها تشكل نقطة ضعف أيضاً. ذلك ان التعميم في شعارات التغيير، وفي المشاركة التي تتجاوز حدود الطوائف والمذاهب والمناطق، يفتح الأبواب أمام صيادي الفرص من مختلف التوجهات ومنهم الاسلاميون المتطرفون أيضاً. من هنا يجب تفهم طبيعة وواقعية القلق المسيحي في ضوء تجارب الاحداث العدوانية التي عرفها العراق وعرفتها مصر أيضاً –الى حد ما- والتي شعر المسيحيون بأنهم كانوا هدفاً لها.


يضع هذا القلق، الذي قد يصل الى حد الخوف، مسيحيي الشرق أمام أمرين أحلاهما مرّ؛ اما الوقوف الى جانب الأنظمة الاستبدادية التي عانوها كغيرهم من المواطنين، وذلك على أساس انهم يعرفون حجم المعاناة وانهم تآلفوا معها؛ وإما التعرض لمعاناة أشد قد تترتب عن التطرف الديني نظاماً يخلف نظام الاستبداد القائم. فالتطرف –اذا أتى- قد يستهدفهم في عقيدتهم وفي حريتهم الدينية، وهذا مصدر تخوفهم. يؤسس هذا التخوف لمنطق يشجعهم على الأخذ بمعادلة قبول الضرر الأقل لمنع وقوع الضرر الأكبر. وهو منطق يبرر أو يشجع مسيحيي الشرق على إخرج أنفسهم من دائرة المشاركة الطبيعية في انتفاضات التغيير العربية، للدخول في دائرة المشاركة غير الطبيعية ولو السلبية وغير المباشرة في الدفاع عن الأنظمة الاستبدادية.


يدرك مسيحيو الشرق بلا شك أن هذا الخيار المرّ يتناقض مع الادوار التاريخية التي قاموا بها والتي ساهمت في بلورة الشخصية العربية، وفي النهضة العربية الحديثة، وفي حركات الاستقلال الوطني. كما يدركون أنه يتناقض أساساً مع طبائعهم الانسانية، ومع المقومات الحميمة لهويتهم الثقافية الدينية. يعكس هذا الأمر بوجهيه صراعاً ذاتياً في أعماق الشخصية المسيحية الشرقية. وهو صراع يفرز كمّاً من علامات الاستفهام الكبيرة التي لا تتوافر اجابات واضحة عنها.


من علامات الاستفهام هذه: ماذا اذا ربحت الأنظمة الاستبدادية المعركة المصيرية التي تخوضها للدفاع عن ذاتها؟ في هذا المجال لن يكون الاسلاميون وحدهم ضحاياها. ان كل المواطنين مسلمين ومسيحيين سيدفعون الثمن. وحتى إذا لانت الأنظمة وعملت في ما بعد على استرضاء الاسلاميين (وهناك سوابق عدة عرفتها مصر تحديداً في عهد الرئيس الراحل أنور السادات)، فان المسيحيين سوف يكونون اولى ضحاياها.


ومن علامات الاستفهام أيضاً: ماذا اذا انتصرت الانتفاضات الشعبية على الأنظمة الاستبدادية، وتجاوزت مرحلة الاضطرابات المتوقعة التي تمر بها حالياً، واستقرت على صيغة وطنية ومدنية حديثة ما في السلطة الجديدة؟ ماذا يكون موقف مسيحيي الشرق منها اذا كانوا قد تخلوا عنها أثناء الشدّة وساندوا السلطة الاستبدادية؟
كان مسيحيو الشرق جزءاً اساسياً من السلطات الوطنية في مصر وسوريا والاردن ولبنان بعد التحرر من الاستعمار لانهم كانوا ضد الاستعمار... فأي دور سيكون لهم بعد التحرر من الاستبداد اذا لم يكونوا ضد الاستبداد؟


ومن الأسئلة التي تعكس احتمالات واقعية أكثر تعقيداً وخطورة السؤال التالي: ماذا اذا استجابت الانظمة الدعوات الى الاصلاح، وتخلت عن الاستبداد واحترمت حقوق الناس وكراماتهم؟ ماذا اذا انتهت الانتفاضات الى اصلاح الأنظمة وليس الى اسقاطها؟ أي مستقبل يكون للمسيحيين الشرقيين في الوضع الجديد؟ فاذا كانوا مع الأنظمة في معركتها ضد الانتفاضة، فانه يخشى أن تصبح مصالحهم جزءاً من الثمن الذي ستدفعه هذه الأنظمة لحركات التغيير. وإذا لم يكونوا مع الأنظمة ولا مع الانتفاضة، فان تغييب حضورهم قد يؤدي الى تغييب دورهم وتالياً الى تغييب مصالحهم وربما الى تغييب حقوقهم في عملية المساومة على اعادة تركيب الوضع الجديد.


من أجل ذلك من المهم القاء الضوء على الأمور التالية:
الامر الأول هو أن مسيحيي الشرق الذين عانوا طويلاً، ولا يزالون يعانون، استبداد بعض الأنظمة السياسية، لا يستطيعون الا أن يكونوا في مقدم الصفوف الداعية الى الاصلاح والعاملة عليه.
الأمر الثاني هو ان الاخلاق المسيحية، والثقافة المسيحية والمصالح الوطنية للمسيحيين تزيدهم التزاماً للعمل على مكافحة الاستبداد والفساد والظلم وانتهاك الكرامة الانسانية.
الأمر الثالث هو أن الانتفاضات التي تعصف بالعالم العربي ليست من وحي خارجي، ولكنها استجابة لمعاناة داخلية. والمسيحيون جزء من هذا الداخل العربي، وجزء من هذه المعاناة، وتالياً فهم يستطيعون ويفترض أن يكونوا جزءاً من القوة الخلاصية ومن نور الأمل في غدٍ أفضل.


الأمر الرابع هو ان هذه الانتفاضات التي لا تملك مشروعاً للمستقبل معرضة لأن تستغل كمركبة لنقل فئات متعددة من الانتهازيين السياسيين والعقائديين والاسلامويين المتطرفين الى السلطة. وهو أمر تحتاج هذه الانتفاضات العربية من أجل التصدي له الى الاستقواء بمسيحيي الشرق. أما سلبيتهم، أو حتى انكفاؤهم، فانه يضعف هذه الانتفاضات، ويعزز منطق القوى المتربصة ويزيد فرص انتهازها.
الأمر الخامس هو ان نجاح الانتفاضات أولاً في التخلص من السلطات المستبدة، وثانياً في قطع الطريق على الانتهازيين من صيادي الفرص، لا بد أن يتوّج بوضع عقد اجتماعي اسلامي – مسيحي عربي، يقيم الدولة المدنية ويحترم الحقوق الدينية ويرسي قواعد المساواة في المواطنة.

 

(الأمين العام للجنة الوطنية المسيحية – الاسلامية للحوار)