التاريخ: أيلول ٨, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
حماية الأنظمة من شعوبها - محمد الأشهب

مثل التأثير الذي أحدثه موقع «ويكيليكس»، عبر مسلسل التسريبات التي ركزت أكثر على العالم العربي، يبدو أن انفتاح العلبة السوداء لجهاز الاستخبارات الليبية سيشد العالم ودول الجوار الليبي إلى حقائق، غابت جوانب منها، كان وراء استمرار نظام العقيد القذافي فترة أطول من اللازم.


ظاهرياً كان يتقمص دوراً معادياً للدول الغربية، يحاربها بالخطب النارية. لكنه خلف الستار يبسط السجاد الأحمر تحت أقدام مسؤوليها ويتودد لخطب رضاهم ولا يرد لهم طلباً. ولعل الرئيس المصري الراحل أنور السادات كان أول من تنبه لازدواجية الموقف الليبي يوم وصفه بأنه يخدم المصالح الغربية أكثر ما يفعل الذين يجاهرون بالولاء للمعسكر الغربي. فقد كان يقيس أفعال العقيد القذافي بالنتائج التي تترتب عنها، وليس بمعزل عن خطط ترسيم الأدوار وحبكة السيناريوات.


القضية لا تهم فقط إن كان القذافي فعل ذلك لعرض وتقديم خدمات مطلوبة، من أجل حماية نظامه من السقوط، ولكن هل أسعفته تلك الخدمات في تجنب حتمية الانهيار؟
بعد أن اهتزت الأرض الليبية تحت أقدامه، فقد تصور المخاطر قادمة من الشمال، لكنها فاجأته من كل الاتجاهات، وتحديداً من شارع غضب دأب على أن ينظر إليه بدونية ما بعدها أوصاف التحقير واستفزاز المشاعر.


لن يكون القذافي آخر من أسدى للغرب خدمات على مقدار الطلب. فقبله لم يستشعر صدام حسين «غدر» الأميركيين الذين لم يكافئوه على الحرب على إيران، إلا حين اضطر إلى الاحتماء في ملاجئ من لهيب سماء بغداد، تحت قصف التحالف الدولي. ولم يشفع للقذافي أنه تنبأ بمصير مشابه لقادة عرب آخرين، وهم يجاهدون النفس في تصوير حبل المشنقة يطوق عنق صدام كمجرد حلم مزعج.


كذلك كان حال شاه إيران، وهو يغادر مطار طهران باكياً يبحث عن ملاذ آمن. فقد ظل يمني النفس إلى آخر لحظة بأن الولايات المتحدة لن تشجع على الخلاص من نظامه. وآلت أقصى درجات ذلك التعاون بالرئيس المصري السابق حسني مبارك ليتمدد على سرير الاعتقال في محاكمة لا يكاد يصدقها عقله. غير أن تجارب الغرب في حماية الأنظمة الموالية له من غضب شعوبها تحولت إلى حماية الشعوب من بطش الأنظمة. ولم يعد مقبولاً مقايضة الولاء بالصمت. وإن كان الراجح أن مفهوم حماية المدنيين لا ينفصل في جزء منه عن صون المصالح التي تحرك الدول.


لم يبق من سمات الطغيان والجبروت التي اطمأنت إليها أنظمة شمولية سوى الهروب إلى مخابئ تحت الأرض في مثل المشاهد التي كان يلوذ بها معارضو هذه الأنظمة، وهم يحتمون من تعقب أجهزتها القمعية التي كانت لها عيون مبثوثة في كل مكان. لكن الفارق أن عملية الهروب تتم هذه المرة خوفاً من عيون الشعوب التي تسلحت بحدس زرقاء اليمامة.


كم من جيل ضحى به العقيد القذافي كي يصنع شعباً يدين له بالولاء المطلق. شجع على إطلاق الشعر على الأكتاف تشبهاً بثوار بوليفيا، وحول المليشيات إلى ناخبين ومنتخبين تحت شعار سلطة اللجان الثورية. فكك الدولة وعاود إنتاج شيء في مثل المعسكرات التي لا يعلو فيها سوى صوت الأسلحة وترانيم الكتاب الأخضر. لكنه اكتشف أخيراً أن الثورة لها اسم واحد، إنها تطيح الأنظمة الدكتاتورية ولا تحميها.


لا يستطيع أي نظام مهما توافرت له من أجهزة الأمن والاستخبارات أن يصون نفسه وأركانه من غضب الشارع. فالشعوب هي من يحمي أنظمتها، إذ تستمد شرعيتها من الإصغاء إلى حراكها وما يتفاعل في داخلها من مشاعر وتطلعات. وخارج هذه القاعدة يصبح الاعتماد على الولاء للخارج مجرد مغامرات يائسة.


أمر مدهش أن تكون الأحداث التي ترتفع بمبررات ما تعتبره توازنات إقليمية وإستراتيجية تحتم دعماً خارجياً هي نفسها التي كثيراً ما كانت تعيب على الخارج تدخله قي الشؤون الداخلية للغير. لكنها في الوقت ذاته لم تكن تمانع في الإفساح في المجال أمام أشكال من هذا التدخل، إذ يتعلق الأمر بإجراءات أمنية تتجاوز كل الحدود. فمعيار التدخل من عدمه يكمن في مصلحة الأنظمة وليس مستقبل الشعوب.


لا يطلب المواطن البسيط بأكثر من حماية القانون. فالأمن الذي في إمكانه أن يصمد لا تصنعه الأجهزة، بل ترسيخ الشعور بالمواطنة الكاملة غير المنقوصة، أي الحرية والكرامة وسيادة دولة القانون. المشكلة أن الأجهزة الأمنية حين تفطم على القمع المفرط وتتصور أنها أخمدت الوعي الشعبي تكون أول من يضع الحفرة الأولى لأنظمة لا ترى بغير عيون الأجهزة. مع أنه لو كان في إمكانها أن تحمي الأنظمة لما انهارت أنظمة سيطرت فيها الأجهزة على كل شيء كما حدث في تونس ومصر وليبيا. لكن مشكلة بعض الأنظمة التي لم تتعود على سماع الصوت المعارض أنها تصور طلب الحق خروجاً عن القانون. ولم يكن غريباً أن يكرر الحكام المغادرون إكراهاً الأوصاف نفسها التي تتهم فئات الشعب بالإرهاب والتطرف والعصيان. فالعبرة مثل الدواء، وهناك دائماً من يعاند في تكرار الأخطاء التي لا تعدو أن تكون فرضيات تنتهي إلى النتائج نفسها.