التاريخ: أيلول ٨, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
الهوية والدولة والحداثة... أسئلة مفتاحية مصرية - أحمد جابر

تناول نبيل عبد الفتاح الوضع المصري من مدخل «الدين والدولة والطائفية» (كتاب صدر في منشورات ميريت – القاهرة 2011)، ليسهم في «نقد الخطاب المزدوج»، الذي يلقى رواجاً في الأوساط المصرية. كان ذلك قبل التطورات السياسية العاصفة التي شهدتها مصر، ولمّا تلامس خواتيمها بعد. إلا أن زمن «القبْل» هذا لا يجعل موضوعات نبيل عبد الفتاح قديمة، لأن الحاضر المصري يعطيها راهنية كثيفة وحضوراً وازناً.


مدار الكتاب، شؤون الأمة المصرية، وطرائق تعبيرها عن حضورها السياسي والاجتماعي، وبيت القصيد فيه، العوائق التي تهدد مكتسبات الاندماج الوطني، وتنذر بالإحاطة برأس المال الاجتماعي والســياسي الذي راكمه المصــريون خلال حقبات طويلة من تاريخهم. في متابعة الحالة الوطنية، لا يحلّق الكاتب فوق الموضوعات، أو معها، بل ينزلها إلى أرض التاريخ، ويقرأ تطوراتها وتجلياتها قراءة «مادية»، أي أنه يعيد إلباس كل شعارية أو لفظية أو «روحية»، لبوس المصالح الملموسة، ليتسنى له، ولقرائه، معاينة المسائل والإشكـــاليات معاينة مباشرة، مجردة من غموض الإيديـــولوجيات، المقــصود، ومن إبهام الإحالة الغيبية، التي يجيد أصحابها توظيف الدين، توظيفاً سياسياً واجتماعياً.


وفق هذا «النسق» الكتابي، التحليلي، يقترب نبيل عبد الفتاح من موضوع دور المسيحيين في مصر، فيستحضر تاريخه، كجزء من الوجود العربي الأصيل، ويستعرض أهم السمات التي ساهمت في صعوده، وفي تميزه، مثلما يشير إلى الأسباب التي أدت إلى تراجع هذا الدور والعمليات المقصودة، وغير المقصودة، التي قذفت بأصحابه إلى الهامش. في خانة الصعود، نقرأ مساهمة «المسيحية المصرية»، في بناء الدولة الأمة، ودورها الاقتصادي، ومكتسبها الثقافي، الذي أتاح لها القيام بدور الوساطة مع الثقافة الأوروبية، وفي لائحة التراجع، تطالعنا ثقافة الخوف ونمو الأصولية وتنامي الهجرة، وتواطؤ السلطة، خاصة في عهد الرئيس أنور السادات، على تسهيل أسلمة المجال الوطني العام.


لا يغيب، في معرض الحديث عن الحالة المسيحية المصرية، حضور المؤسسة الدينية القبطية، والعوامل التي ساهمت في تكريسه أو في تراجعه، لكن ما يمكن الوصول إليه، كخلاصة، هو أن حضور «الكنيسة» صار أثقل، بسبب من نمو وتطور «الظاهرة» الإسلامية العنفية، وعدم وضوح مواقف حركات أكثر اعتدالاً (الإخوان المسلمون)، وتراجع دور المؤسسة الدينية الرسمية الإسلامية، لمصلحة خطاب «الإسلام الشارعي والمتلفز»، الذي بات يخاطب سوق الاستهلاك الديني، مباشرة، ويخضع لطلباته السريعة. التوتر، الذي يدقق فيه الكاتب كمصطلح، أنتج توتراً، والانكفاء «الإصلاحي والتجديدي»، في جهة، أنتج مثيله في الجهة المقابلة. كان للوضعية هذه، ضحايا.


أول الضحايا، مشروع الدولة الحديثة في مصر، ذاك الذي وضع لبناته الأولى محمد علي باشا الكبير، والضحية الثانية، مسألة الثقافة المشتركة، وما تنطوي عليه من قيم الحداثة ومسالك التحديث، والضحية الثالثة، الاستقرار المصري، الذي صار عرضة لخطر انتشار الطائفية والعرقية، وما ينشأ عنهما، والضحية الرابعة، الدين ذاته، الذي اختطف من غناه العقلي من قبل الإفقار النقلي، فذهبت شكلياته الطقوسية بدلالاته الروحية. تفصيل معنى «الضحية» ومعناها، لا يورده الكاتب على سبيل النقاط المتتالية فقط، بل ينشره على مساحة العناوين التي يستعرضها أيضاً، ويدخله في حنايا النص، إدخالاً متشابكاً، بحيث لا يمكن فهم المقصود إلا فهماً تداخلياً.


على هذا الصعيد، تطالعنا، في مسألة الدولة الحديثة، موضوعة أساسية، هي إصابة مسار تشكلها السياسي والقانوني، في «وضعيته»، أي في عناصره الجامعة، التي تأتي المساواة في الحقوق والواجبات في طليعتها. لم يقل الكاتب، بالحرف، أننا صرنا أمام «مصري ومصري» لكنه أشار إلى ذلك في سياق موضوعاته، وسهل الوصول إلى خلاصات من السياق العام. خطورة ذلك تتأتي من النتائج، إذ أن كل ضرر يلحق بالمشترك، يتم على أيادي «الخاص الفئوي»، الذي يمهد لهيمنته الإلغائية، وإلى فرضياته القسرية، متوسلاً في ذلك، الدين واللغة والسلطة والسياسة والقانون، والموروثات السابقة على التشكلات المدنية. هنا يقع موقع الثقافة المشتركة، التي تذوي في غيابها معاني الهوية والمواطنة، وقيم الحوار والمشاركة، وتضيع حقوق المرأة، في ظل مفاهيم بطريركية ذكورية، ويروج لسيادة الإجماع الأكثري العددي الديني، وتنحى الأقليات المختلفة، أي تلغى من الذاكرة التاريخية المشتركة، ويسقط كل «فاعل مختلف» من دائرة الفاعلين، الذين نطقوا باسم مصالح مادية محددة، ودافعوا عنها، وفرضوا مسارات قانونية وسياسية تحافظ عليها، وتضمنها.


أهم ما يلح عليه نبيل عبد الفتاح، في ميدان الذاكرة المشتركة، هو الطابع التاريخي المتراكم، الذي يميزها، فالهويّة لا تنتج مرّة واحدة، وعلى يد طرف واحد، والأمة لا تتبلور كأمة، وفق فلسفة مفردة، والاجتماع ليس عملية تجميع، بل هو ثمرة تفاعل بين مختلفين ومتغايرين ومتضادين، ضمن سيرورة تاريخية مشتركة. هذا الفهم يؤسس لمعنى الوطن، الذي هو حاضنة كل هذه السيرورة، والذي هو مفاعل الصيرورة، لذلك، يرتبط الحفاظ عليه، بمعنى الانتماء إليه، انتماء لا نقص فيه، ولا مجال للانتقاص منه. هذا تهدده الطائفية، الذي يرى الكاتب أنها في طريقها إلى الانتشار في الربوع المصرية، وهذه إن استشرت، لا تجيد إلا صناعة «بلدان» على مقاساتها، بلدان تفتقر، دائماً، إلى الأمان «المفهومي»، الجامع، الذي لا تدوم أوطان في ظل عدم توافر شروطه، الكاملة والمتكاملة.
لكن من يستطيع ذلك؟ أصحاب التجديد أولاً، وفي المجالات كافة، مع التشديد، على الإصلاح الديني، الإصلاح الذي يحبذ عبد الفتاح استعماله كمفردة، لأن كلمة التجديد ترتبط بالخوف لدى البعض، لأنها تستحضر ذكريات أوروبية إصلاحية.


الإصلاح الديني ينقذ الدين، ينقذه من النقل ومن التبسيط، ويسترده من الشارع والسطحية، إلى عمق المعرفة وسمو الإدراك، وعليه، يضع العراقيل في وجه توظيفه سياسياً، لأن الحاجة عميقة إلى دين لا يسيَّس، وإلى سلطة لا تديُّن، أي إلى مسار آخر، يعاكس تجربة السياسة المصرية، في ظل عهدها، شبه الليبرالي وفي ظل عهودها التسلطية، التي بدأت مع ثورة 1952، وآذنت بالأفول مع نهاية حكم الرئيس حسني مبارك.


يتطلب التجديد قاعدة معرفية، يجدّ الكاتب دائماً في التأكيد عليها، ويستلزم بيئة حوار، يرصد أهم عثراتها. من تلك العثرات، غياب المعرفة بالآخر، والاكتفاء بصور نمطية مسبقة عنه، واعتماد ثقافة الكراهية حياله، والتمركز حول ثقافة الكذب والنفاق والمديح حيال الحاكم، للتعايش مع استبداده. يعتبر عبد الفتاح، بحق، أن الحوار الثقافي أشمل من الديني، ويلح على أن يكون الخطاب نسبياً، من قبل الجميع، أي أن تكون الآراء مفتوحة على التثاقف والتلاقح والتعديل. يعلق الكاتب آمالاً على استعادة الروح الثقافية، فقد يصير متاحاً إعادة الاعتبار إلى مسألة الوعي التاريخي بالأمة، هذه التي تشكل أساس الشرعية والحكم، وتؤسس لتجديد الوحدة الوطنية، من بوابة تجديد فهم تاريخيتها ومشتركاتها. من يقوم بذلك؟ المثقفون أولاً، الذين يتوجس الكاتب من صمتهم، ومن يتحمل المسؤولية الأولى؟ المسلمون، بوضعيتهم الأكثرية، فهؤلاء مطالبون بنفض الجمود الذي صار سمة للتفسير والتعليل في كل مجال، ومدعوون إلى تجديد السياسة التي شاخت، فباتت من حقبات نظرية غابرة.
يقدم الراهن المصري، ما يجعل دعوة عبد الفتاح، مساهمة مفتاحية مهمة، وتحث فضاءات السجال المتجدد، حول أطروحاته، على الدخول إلى حلبة «الضجيج الفكري»، لكسر العزلة النفسية والمعرفية، وللنطق بما كان مسكوتاً عنه، طيلة حقبات من عمر التجربة المصرية.
ثمة ملاحظة أخيرة. ليست الحالة المصرية وحدها، في ما تصدى له الكاتب، بل حال أكثر البلدان العربية، التي ما زالت تتلمس الطريق إلى «أوطانها».

 

* كاتب لبناني