|
الشأن العام في لبنان فيه من الرعونة ما لا تطيقه الا الدهماء. ومشهد واحد يُشعرك بما تمليه عليك السياسة من مهانة واستخفاف ليس بذكائك فحسب، انما بكرامتك أيضاً، طالما أن الكرامة عادت ودخلت الى القاموس السياسي العربي من أبواب الثورات. فالى أقل من سنة انقضت كانت عبارة "شكراً قطر" تُزين شوارع الجنوب اللبناني، وكانت قطر درة عين الممانعة بصحافتها و"نخبها" ومجتمعاتها، وتوج ذلك بالعبارة الشهيرة التي أطلقها رئيس مجلس النواب نبية بري: "أول الغيث قطرة... فكيف إذا كانت قطر".
اليوم وفي الطريق من بيروت الى الجنوب لن تصادفك أي لافتة من تلك التي رفعها "مجتمع المقاومة" لدولة قطر. بلى هناك واحدة عملاقة على مشارف بلدة كفرا، لكن من رفعها قرر أن يقلبها رأساً على عقب، بحيث يبدو أنه تراجع عن شكر الدولة التي تولت إعادة بناء قريته!
أما الصحافة الممانعة التي تولت في السابق رفع قطر من مقام الدولة الخليجية الى سوية الواحة والحلم، فبين ليلة وضحاها عادت وتولت شيطنة تلك الدولة الـ"بترودولارية"، واستلت هذه الصحافة الترسانة الإيديولوجية عينها تلك التي كانت تستعملها في مواجهة خصومها. أما محطة الجزيرة، فقد انتقلت من كونها محتكرة للحقيقة والمعرفة والاخلاق الى بوق "امبريالي" ينضح كراهية وسماً.
كل هذا سببه انتقال دولة قطر من موقع الحليف للنظام في سورية، الى موقع الخصومة مع هذا النظام، وتولي قناة الجزيرة تغطية وقائع الانتفاضة هناك على نحو لا يروق للنظام.
لكن متأمل اضطراب مشهد الممانعة بفعل الانتفاضة السورية، لن تصدمه الوقائع هذه (قلب اللافتة وانتقال الصحافة الى الشتم بعد سنوات من التمجيد) بل السهولة التي جرى فيها "الانقضاض على قطر". فقد حصل ذلك على نحو أوتوماتيكي، تماماً بنفس المستوى والسرعة التي انفكت فيها قطر عن سورية. فقد توجه وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني الى دمشق وعقد اجتماعاً مع الرئيس بشار الأسد واختلف الرجلان، فعاد الأول الى بلده وأنزلت لافتات "شكراً قطر" من جنوب لبنان، وفي صباح اليوم الثاني صدرت صحف الممانعة مفاجئة قراءها محبي قطر وأهل قطر بطلب مراجعة مشاعرهم حيال تلك الدولة. هكذا ومن دون أي تدرج في المواقف يُراعي ذكاء مستقبلي الخطاب وهاضميه!
والغريب ان "مجتمع المقاومة" تورط بمواقف عاطفية حادة حيال الدوحة وحيال محطتها التلفزيونية وحكومتها، وفي انتقاله اليوم الى موقع مختلف تعثرٌ أين منه تعثر الحبيب بابتعاد محبوبته عنه. وإذا كان في الغرام ما يتيح التعثر، فان السياسة لا تهضمه، لا سيما إذا كانت الأخيرة من ضروب العقل والمنطق. ولهذا يبدو هجاء قطر اليوم أقرب الى هلوسة في حلقة زار منه الى السياسة بصفتها تعبيراً عن مصالح الجماعة.
لكن لا بأس في ذلك إذا تذكرنا أن السهولة التي صُعِدت فيها قطر الى مقام الدولة الواحة، ثم عادت وأُنزلت فيها أيضاً الى "جهنم البترودولار" هي جزء من السهولة التي تغشى مختلف جوانب خطاب الممانعة. ونحن هنا لا نفعل شئياً سوى أننا نعرض لمشهد لطالما تكرر، ولطالما سيتكرر.
|