|
يواجه العرب مهمّة صعبة جداً لا تقلّ عن إعادة بناء هيكليّة الدولة بأكملها ونظام الحكم في بلدان هي على قدر كبير من التنوّع، كتونس ومصر وليبيا واليمن. كذلك في سورية، يبدو سقوط الدولة البعثيّة أمراً شبه محتّم وذلك سواء بقي الرئيس بشار الأسد رئيساً لها أم لم يبقَ. لقد دامت تلك الدولة ثماني وأربعين سنة، منذ أن استولى حزب البعث على السلطة عام 1963. وإذا نجت من الثورة الحاليّة واستمرّت، سيكون عليها أن تخضع لعمليّة إعادة صياغة وتشكيل في العمق حتى تستوعب قوى كثيرة من المجتمع السوري جرى تجاهلها من قبل - ومن بينها بعض الطوائف والإثنيّات والقبائل إضافة إلى المفكرين المستائين وفقراء الأرياف.
فما هو شكل الحكم الذي سيحلّ محل الهيكليّات العربية المتداعية، التي تمّ إسقاط بعضها بينما يناضل بعضها الآخر من أجل البقاء؟ وما هي الهيكليّات الحكوميّة التي ستخلف الأنظمة الأوتوقراطيّة القديمة المفلسة القائمة على حكم الحزب الواحد والأجهزة العسكريّة والأمنيّة القوية؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي تطرحه الأحداث، ليس في دمشق فحسب بل في تونس والقاهرة وطرابلس وصنعاء أيضاً، والجواب عليه هو في علم الغيب.
تبرز الأنظمة الملكية في شبه الجزيرة العربيّة (باستثناء البحرين) كجزر من الاستقرار النسبيّ وسط الاضطراب العنيف الجاري- والذي يمكن أن يكون الأكثر راديكاليّةً منذ سقوط الامبراطوريّة العثمانيّة. وما يحمي تلك الأنظمة هو ثرواتها النفطيّة، لكنها ليست هي السبب الوحيد. ففي معظم الحالات، أثبتت أنظمتها - التي تمّ تحديثها وإصلاحها على مرّ السنين - أنّها تتجاوب مع حاجات مواطنيها. وقد أمّنت حكماً صالحاً ومعقولاً، سواء في الإمارات العربيّة المتحدة وقطر أم في الكويت وعمان والمملكة العربية السعوديّة، وهي القوّة المهيمنة في شبه الجزيرة العربيّة. ويبدو أنّ الحكم الصالح هو السر الذي يضمن استمراريّة شرعيّة هذه الأنظمة.
ونعلم جميعاً، إذ غالباً ما تردّد هذا الأمر على مسامعنا، أنّ ثوّار الربيع العربيّ يريدون العدالة الاجتماعيّة والوظائف والتحرّر من عنف الشرطة والاعتقالات الاعتباطيّة وفرصة للتقدّم في الحياة ومستقبلاً أفضل لهم ولعائلاتهم وتوزيعاً أكثر عدلاً لموارد بلادهم ووضع حدّ لفساد نخبة من أصحاب الامتيازات، كما يريدون من حكامهم أن يحترموهم ويصونوا كراماتهم. أي أنّهم باختصار يطلبون حكماً صالحاً.
ويبدو أنّ الحكم الصالح هو ما يرغب فيه العالم العربي فوق كلّ شيء، وليس الديموقراطيّة على الطراز الغربيّ التي كانت للعرب خبرة قليلة فيها، والتي لا رغبة لهم بها إذا كانت تعني خضوعهم لوصاية غربيّة. ومن المشكلات التي ما زالت تفتقر الى حلّ، هو الدور المستقبليّ للأحزاب الإسلاميّة في البلدان التي تشهد الآن أو شهدت الثورات الماضية. في مصر وتونس واليمن أصبحت هذه الحركات الإسلاميّة ظاهرة الآن وهي ستأخذ دوراً بارزاً من دون شكّ في هيكليّات السلطة الجديدة. وفي سورية، لا يمكن أن يظلّ «الإخوان المسلمون» - أبرز أعداء النظام منذ السبعينات- مقموعين إلى الأبد ويجب استيعابهم بطريقة أو بأخرى.
أما تنظيم «القاعدة»، وهو حركة إسلاميّة متطرّفة لا يجب خلطها بالتيار الإسلامي السائد، فهو فعّال في اليمن حيث تجري بينه وبين القوات الحكوميّة اشتباكات مسلّحة شبه يوميّة. وفي الجزائر، أدّى اعتداء إرهابيّ تبنّته «القاعدة» على ثكنة في شرشل شمال البلاد إلى مقتل ثمانية عشر شخصاً وجرح كثيرين. وقد رفضت الجزائر حتى الآن الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، الموقت لأنّه والأجهزة العاملة معه يضمّ عناصر «جهادية» مطلوبين لارتكابهم جرائم في الجزائر. وقد فرّ بعض أفراد عائلة القذافي إلى الجزائر حيث وجدوا ملجأ فيها.
وينظر كثيرون من العرب، وكذلك معظم المسلمين الى الغرب بشكّ كبير، والاسلاموفوبيا المنتشرة فيه حاليّاً هي مصدر للغضب والحيرة. كما أنّ دعم أميركا الأعمى لإسرائيل ولاعتداءاتها على جيرانها والقمع المطوّل والقاسي الذي تمارسه على الفلسطينيين هو مصدر غضب عارم، وقد ظلّ حتى الآن كامناً وعاجزاً في الأغلب ولكن إلى متى؟ كذلك فإن ماضي الغرب الاستعماريّ في المنطقة لم يُنسَ أبداً، إن كان في الجزائر أم في مصر أو سورية أو العراق، وذلك لنسمّي البلدان الأبرز فقط.
كذلك فان فظائع الاحتلال الإيطاليّ بين الحربين العالميّتين لم تُمحَ من أذهان الليبيين. وسيكون الكثيرون منهم ممتنّين للعون الذي قدّمته كلّ من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة من أجل تحقيق هزيمة معمر القذافي، ولكن كثيرين آخرين سيمتعضون من القصف الذي حصل على بلادهم خلال شهر رمضان. هناك مستوى من السّخط والطموح في ثورات الربيع العربيّ، وهو أمر قد تجاهله الغرب إلى حدّ بعيد. هو الحاجة الى الاستقلال القومي. لقد لاحق العرب هدفهم من أجل تحقيق الاستقلال الوطني- ليس عن حكامهم بل عن القوى الخارجيّة - منذ الحرب العالميّة الأولى. غير أنّهم لم يحققوا هذا الاستقلال الكامل بعد، وهو حاضر على جدول أعمالهم الحاليّ.
فلنفكر للحظة بوقع اجتياح أميركا للعراق واحتلالها وتدميرها هذا البلد على الرأي العام. ولنتصوّر مدى الاستياء والقلق الذي يعتري الكثيرين جراء وجود القواعد الأميركيّة في الخليج العربيّ. فلنفكر بالنقمة المريرة التي تولّدها المساعدات الأميركيّة الهائلة لإسرائيل والتي تساعدها على توسيع رقعة مستوطناتها في الأراضي الفلسطينيّة وتطويق غزّة وقصفها متحديّة العالم العربيّ والإسلامي بأسره فضلاً عن القانون الدولي. إنّ الإمبرياليّة حيّة وهي بحالة جيّدة.
إنّ اتفاقيّة السلام الموقّعة بين إسرائيل ومصر عام 1979 هي موضوع حرج بالنسبة الى العديد من المصريين، بل العديد من العرب. فقد شطبت مصر من الصف العربيّ حاكمة عليها بالعجز المدعوم أميركيّاً ومعرّضة بقيّة العالم العربي للقوّة الإسرائيليّة. وكان اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 الذي قُتل خلاله سبعة عشر ألف لبنانيّ وفلسطينيّ، نتيجة مباشرة لهذه الاتفاقيّة. ومن المؤكّد أنّ المصريين لا يطمحون إلى خوض حرب أخرى مع إسرائيل، لكنّ اتفاقيّتهم هي وصمة عار يرغب الكثيرون في محوها.
إن كثيرين في الجزء الشرقي من العالم العربيّ يمقتون القوّة التي اكتسبها «حزب الله» في لبنان، ويتوجّسون من الدور الذي تلعبه إيران في الشؤون العربيّة ويرغبون في سقوط نظام الحكم في سورية. ولكن هناك آخرين ممن يفهمون أنّ محور طهران- دمشق- «حزب الله» كان الحاجز الوحيد الذي يعترض الهيمنة الإسرائيلية والأميركيّة في المنطقة. ويخشى كثيرون أن تخسر هذه المنطقة القليل من الاستقلال والقدرة الرادعة التي تمكّنت من امتلاكها إذا تفكك ذلك المحور- وهذا أشدّ ما ترغب به أميركا وأصدقاؤها. هنالك إذاً بُعد جيوسياسيّ أوسع للمعارك التي تُشنّ داخل بلدان عدة على امتداد المنطقة. وما يطالب به الثوريّون هو الاستقلال القومي والتحرّر من الإمبرياليّة والضغوط الإسرائيليّة على أنواعها، إضافة إلى الحكم الصالح في بلادهم. وإذا أراد الغرب أن يتعامل بحكمة مع الربيع العربيّ، فعليه ألا يحرك الأحداث بما يخدم مصلحته بوضوح، وإلا فانه يخاطر برد فعل غير سار. لقد حان الوقت لتُترك للعرب حرية تقرير مصيرهم بأنفسهم.
* كاتب بريطاني مختص في قضايا الشرق الأوسط
|