تونس – محمد ياسين الجلاصي طالبت المركزية النقابية التونسية حكومة يوسف الشاهد بضرورة التشاور مع الأطراف الاجتماعية قبل الإعلان عن خطة تسريح موظفين من القطاع العام، وسط تحذيرات من أنها ستزيد من تردّي الوضع الاجتماعي منذ «ثورة يناير2011».
ورفض الأمين العام الجديد للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي تصريحات وزير الوظيفة العمومية عبيد البريكي، التي أعلن فيها أن حكومته «تستهدف تسريح 50 ألف موظف من القطاع العام»، في اطار إصلاحات رئيسة لاقتصادها.
وصرّح الطبوبي عقب تسلّمه مهماته، أن «على رجل الدولة أن يتحلّى بقدر كبير من الحكمة وأن يعلم أن هناك أطرافاً اجتماعية لا تقبل بمشاريع من دون الاطلاع عليها»، مشدداً على ضرورة تشاور الحكومة في أي مشروع اجتماعي تقرره مع الاتحاد العام للشغل وبقية الأطراف الاجتماعية.
وأضاف الطبوبي أن «اتحاد الشغل قوة اقتراح وبناء وخير لتونس، وقياداته تؤمن بالحوار الجدي والبناء»، داعياً السياسيين إلى أن يتذكروا دائماً أن اتحاد الشغل موجود وفاعل، متعهّداً بإجراء «حوار اجتماعي بناء بعيداً من الخطابات الشعبوية والشعارات».
أتى ذلك بعد تصريح البريكي، القيادي السابق في اتحاد الشغل، اعتبر فيه أن خطة تسريح موظفين في القطاع العام أقرت للحفاظ على التوازنات المالية لتونس التي تنفق 13.5 في المئة من موازنتها بدل رواتب.
ويستهدف هذا الإجراء، الذي جاء بضغط من الجهات الدائنة الدولية، فئة من الموظفين الذين أقتربوا من سن التقاعد (60 سنة) عبر تسريحهم اختيارياً في مقابل حوافز أخرى. ويُشغل القطاع العام في تونس أكثر من 800 ألف موظف، وقد زاد عددهم 50 في المئة وتضاعفت كتلة أجورهم 100 في المئة.
وتسعى الحكومة إلى تسريح حوالى 120 ألف موظف في غضون ثلاث سنوات، إضافة الى عدم تعويض الموظفين المتقاعدين عبر وقف الانتداب في الوظيفة العمومية. ويبلغ 15 ألف موظف سن التقاعد سنوياً.
وحذّر زعيم الجبهة الشعبية اليسارية حمة الهمامي من أن «خطة التسريح ستعمّق بالتأكيد الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد»، معتبراً أن الحكومة في صدد خلق مشكلات إضافية من خلال السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تنتهجها. وأوضح أن موازنة العام الحالي تتضمّن إجراءات ضريبية ستزيد الأعباء على كاهل الموظفين والعمال، إذ تخضع لإملاءات صندوق النقد الدولي، داعياً حكومة يوسف الشاهد إلى «التصدّي للمهربين ولوبيات الفساد». يذكر أن صندوق النقد الدولي، الذي يرافق تونس في برنامجها الإصلاحي، يشترط خفض الإنفاق ووقف التوظيف في المؤسسات الرسمية وتوجيه النفقات نحو الاستثمار وإصلاح القطاعين المصرفي والمالي وخصصة شركات عامة.
تونس تفتح ملف المواجهات بين نظام بورقيبة و «اتحاد الشغل»
آخر تحديث: السبت، ٢٨ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) تونس – محمد ياسين الجلاصي فتحت هيئة العدالة الانتقالية في تونس ملف ما يُعرف بالخميس الأسود الذي شهد مواجهات غير مسبوقة بين نظام الرئيس السابق الحبيب بورقيبة و «الاتحاد التونسي العام للشغل» (المنظمة العمالية الأكبر في البلاد)، وهي الجلسة السادسة في مسار العدالة الانتقالية التي انطلقت بعد ثورة يناير 2011. واستأنفت «هيئة الحقيقة والكرامة» (هيئة عامة مستقلة تُعنى بملف العدالة الانتقالية) الجلسات العلنية ليل الخميس- الجمعة، والتي خصصتها للاستماع إلى نقابيين كانوا قد عايشوا فترة الصدام بين السلطة واتحاد الشغل (كانون الثاني - يناير 1978) وهي أبرز الفترات المظلمة التي مر بها نظام بورقيبة.
وتحدث النقابيون في شهاداتهم عن انتهاكات واسعة مارسها نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بحق النقابيين والتي تمثلت في اعتقالات عشوائية وتعذيب في مراكز التوقيف ودهم مقرات اتحاد الشغل وطرد نقابيين من وظائفهم وسجنهم ما تسبب بإصابة بعضهم بأمراض مزمنة.
وتعود هذه الحوادث المؤسفة إلى 26 كانون الثاني 1978 حين أعلن اتحاد الشغل الإضراب العام في البلاد وانتشرت التظاهرات النقابية والسياسية التي واجهها النظام بالخيار الأمني ونشر الجيش في الشوارع. وشكّلت هذه الحوادث بداية القطيعة والصدام بين الاتحاد والسلطة ومن ورائها الحزب الدستوري الحاكم آنذاك.
وذكرت السلطات التونسية آنذاك أن المواجهات أسفرت عن سقوط 52 قتيلاً وأكثر من 300 جريح في مقابل تقارير مستقلة تحدثت عن سقوط 400 قتيل وأكثر من ألف جريح. ولا يزال الغموض يحيط بهذا الملف الذي دشن عهد الاضطرابات الاجتماعية والصراع بين اتحاد الشغل ونظام بورقيبة الذي استعان بالجيش وميليشيات الحزب الحاكم لقمع النقابيين المتظاهرين.
وقال النقابي محمد شقرون، في شهادته العلنية التي بثها التلفزيون الرسمي، إن لحوادث كانون الثاني أسباباً سياسية مباشرة وهي «رفض عسكرة النظام لأن بورقيبة عيّن الجنرال زين العابدين بن علي (الرئيس السابق الذي انقلب على بورقيبة) في منصب مدير الأمن خلفاً للطاهر بلخوجة الذي كان يرفض استعمال القوة ضد المتظاهرين». وأضاف: «تعرض الزعيم التاريخي لاتحاد الشغل آنذاك الحبيب عاشور الى الاعتقال والتهديد باغتياله فيما تعرضت مقرات الاتحاد إلى اعتداءات من جانب الشرطة وميليشيات الحزب الدستوري واشتد القمع والتضييق على النقابيين، بلغ حد سجنهم وتعذيبهم وإطلاق الرصاص عليهم».
واعتبر النقابي البارز محمد شعبان أن حوادث كانون الثاني 1978 (الخميس الأسود) «محطة تاريخية مكّنت الشباب وفئات أخرى من التعبير عن سخطهم تجاه النظام الحاكم»، مشدداً على أن مطالب الإضراب العام لم تكن نقابية فحسب بل كانت بسبب انعدام العدالة الاجتماعية والحريات والديموقراطية في البلاد».
ومرت علاقة اتحاد الشغل بالنظام السابق في تونس بفترات مد وجزر، فبعد أن كان الاتحاد ممثلاً في حكومات ما بعد الاستقلال بوزراء نافذين وعضوية الحزب الدستوري الحاكم، تمردت المركزية النقابية عَلى نظام بورقيبة وسحبت قياداتها من الحكومة والحزب الحاكم لتبدأ فترة صراعات، خفت وتيرتها بعد الانقلاب على بورقيبة عام 1987. |